إيريك بريوار

القنبلة النووية الإيرانية ليست نتيجة حتمية

26 تشرين الثاني 2021

المصدر: Foreign Affairs

02 : 01

بعد أشهر من الاضطرابات والمخاوف المتزايدة في الغرب، أعلنت إيران في بداية شهر تشرين الثاني عن استئناف المفاوضات حول إعادة إحياء الاتفاق النووي المبرم في العام 2015، ومن المنتظر أن يُعقَد الاجتماع الأول في فيينا في 29 تشرين الثاني. حتى الآن، أعطت الضغوط ثمارها على ما يبدو، ومع ذلك تبدو فرص النجاح قاتمة. تتجاوز المطالب المستجدة بنود الاتفاق الأصلي، منها مطالبة إيران بأن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات المفروضة عليها منذ أن انسحب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الاتفاق في العام 2018، وإصرارها على أن تقدّم واشنطن ضمانات تمنع أي رئيس مستقبلي من التخلي عن الاتفاق مجدداً.

يعني التقدم النووي الذي تحرزه إيران أن العودة إلى الاتفاق لم تعد مقاربة جاذبة بقدر ما كانت عليه بالنسبة إلى الولايات المتحدة، لأن إيران اكتسبت معارف مهمة ولا يمكن محوها بسهولة. في ظل هذه الظروف، يصعب التوصل إلى أي اتفاق. لكن يجب أن تحاول إدارة بايدن تحقيق هذا الهدف في مطلق الأحوال لأن إيران المسلّحة نووياً ستجعل العالم مكاناً خطيراً أكثر من أي وقت مضى.

إنه الاستنتاج الذي توصّل إليه معظم المراقبين على الأقل. لكن لا يوافقهم الرأي محلل شؤون الشرق الأوسط، راي تاكيه. هو يطرح وجهة نظر أكثر إيجابية في مقالته "القنبلة سترتد عكسياً ضد إيران" (بتاريخ 18 تشرين الأول 2021). برأيه، سيتكبد النظام الإيراني تكاليف كبرى مقابل التسلّح نووياً ولن يحصد أي منافع استراتيجية. سيتّضح هذا الواقع في نهاية المطاف أمام الشعب الإيراني، فيقرر الانتفاض ضد النظام. وفق هذه الفرضية، سيعطي الرهان النووي نتائج عكســية. يكتب تاكيه في نهاية مقالته: "ســـيكون النظام الديني بحد ذاته أول ضحية للقنبلة الإيرانية".

لكنّ هذه المزاعم ليست دقيقة كونها تغفل عن أدلة مهمة، وترتكز على فرضيات مشكوك بها، ولا تأخذ بالاعتبار الدروس المستخلصة من تجارب الدول النووية الأخرى. على أرض الواقع، لن تكون القنبلة النووية نتيجة حتمية، ولن تتصاعد حملة الضغوط العالمية التي يتوقعها تاكيه بعد أول اختبار نووي إيراني. بل إن إيران النووية ستطرح تحديات كبرى على الولايات المتحدة، وتُعتبر فكرة تاكيه حول اعتبار هذا السيناريو فرصة لتغيير النظام متهورة ومحفوفة بالمخاطر. يقضي أفضل خيار إذاً بمحاولة منع تصنيع قنبلة إيرانية قبل نشوئها.

برأي تاكيه، لا أهمية لقدرة المجتمع الدولي على إعاقة مسار إيران المتسارع نحو تصنيع قنبلة إذا لم ترغب الولايات المتحدة أو إسرائيل في وقف هذه الخطط. رغم تركيز هذين البلدين المفرط على البرنامج النووي الإيراني، تبقى المفاجآت الاستراتيجية ممكنة. لكن يصعب أن نتخيل أي سيناريو قد يدفع الولايات المتحدة أو إسرائيل إلى السماح لإيران بتجاوز العتبة النووية عمداً. كثّفت إسرائيل تدريباتها لشن ضربة عسكرية محتملة ضد مواقع إيران النووية. كذلك، تعهد جميع الرؤساء الأميركيين طوال عقود بعدم السماح لإيران باكتساب أسلحة النووية، وأعلن الرئيس جو بايدن حديثاً أن الولايات المتحدة ستلجأ إلى خيارات أخرى إذا فشلت المساعي الدبلوماسية. قد تكون الضربة العسكرية الرامية إلى منع إيران من تصنيع أسلحة نووية جزءاً من القرارات القليلة التي تحظى بدعم معظم الديمقراطيين والجمهوريين في الكونغرس في مجال السياسة الخارجية. سيكون إطلاق ضربة مماثلة أسهل بكثير من السماح لإيران بتجاوز العتبة النووية.

وفق فرضية تاكيه، ستطلق إيران النووية ردود أفعال قوية على مستوى العالم، بقيادة الولايات المتحدة، وستكون هذه المواقف كفيلة بعزل النظام الإيراني عن الاقتصاد العالمي وحرمانه من منافع الأسلحة النووية. حين يدرك الرأي العام الإيراني هذا الواقع، سيتعرض لخيبة أمل كبرى ويطيح بالنظام القائم في نهاية المطاف. سرعان ما تنشأ قيادة جديدة وموالية للولايات المتحدة بدلاً منه وتُفكك الأسلحة النووية الإيرانية.

لكنّ الوضع على أرض الواقع سيكون مختلفاً بالكامل على الأرجح. في المقام الأول، من المستبعد أن تنشأ حملة من الضغوط العالمية ضد إيران. ولن تحظى العقوبات التي تهدف فعلياً إلى تغيير النظام بدعم كبير، حتى أن معظم حلفاء واشنطن يرفضون هذه السياسة. قد تستنكر جميع دول العالم أي اختبار نووي إيراني ويزيد الدعم للعقوبات الجديدة ضد طهران موقتاً، لكن سرعان ما تتلاشى هذه الحماسة خلال الأشهر والسنوات اللاحقة. في الوقت نفسه، ستتحدى الصين وروسيا على الأرجح أي توجّه لعزل إيران لأنهما تحاولان كبح الطموحات الأميركية وبيع المعدات العسكرية إلى طهران، وتهتم الصين أصلاً بشراء النفط الإيراني. وحتى لو بذلت الولايات المتحدة أفضل الجهود في هذا الإطار، ستقتصر النتيجة النهائية على فرض عقوبات شائبة قد تزداد ضعفاً مع مرور الوقت.



كان تاكيه محقاً حين رفض مقارنة إيران بوضع كوريا الشمالية لأن عزلة هذا البلد هي جزء من طبيعته. لكن تثبت تجربة كوريا الشمالية التاريخية أيضاً أن الضغوط الدولية ضد البلدان التي تتسلّح نووياً تميل إلى التراجع تدريجاً حين تتجاوز تلك الدول العتبة النووية. من الأفضل إذاً مقارنة إيران بالرد الدولي على الاختبارات النووية التي أجرتها الهند وباكستان في العام 1998، فقد أطلقت حينها موجة من الغضب الشعبي العارم وعقوبات أميركية في الكونغرس. تراجعت تلك العقوبات تدريجاً، ولم يكن المجتمع الدولي يرغب في فرض تكاليف اقتصادية عالية نظراً إلى تراجع احتمال أن تتخلى نيودلهي وإسلام أباد عن أسلحتهما. قد ينتج ارتباط إيران بالاقتصاد العالمي بعض نقاط الضعف، لكنه يعني أيضاً أن محاولة تضييق الخناق على البلد لدرجة التسبب بانهياره لن تنجح.

يعترف تاكيه بأن إيران المسلّحة نووياً ستُسبب مشاكل كبرى للولايات المتحدة، لكنه يفترض أن معالجة تلك المشاكل ستكون مباشرة وسهلة نسبياً لأنها ستُمهّد لإعادة ضبط السياسة الأميركية كي تُجدد تركيزها على إيران والمنطقة ككل. عملياً، ستواجه الولايات المتحدة خيارات صعبة بشأن التزاماتها تجاه حلفائها وكيفية التوفيق بين هذه المتطلبات وتهديدات أمنية أخرى وأكثر أهمية على الأرجح، كتلك التي تطرحها الصين وروسيا. تُعتبر نصيحة تاكيه المرتبطة بإقدام واشنطن على نشر أسلحة نووية في دول الخليج خير مثال على ذلك. من المستبعد أن يدعم الكونغرس أو الشعب الأميركي هذه الخطوة. حتى أنها قد لا تكون ضرورية لأن الولايات المتحدة تستطيع أصلاً استهداف إيران بالأسلحة النووية من النصف الآخر من العالم. كما أن نشر أسلحة نووية أميركية على حدود إيران قد يزيد احتمال أن تستعمل طهران سلاحاً نووياً في أي أزمة ناشئة لأن النظام قد يشعر بأنه سيخسر قدراته النووية إذا لم يستخدمها.

هذا الجانب يكشف أخطر خطأ في تحليل تاكيه: قد تكون محاولات زعزعة نظام بغيض ومسلّح نووياً والتحريض على إسقاطه مرادفة لافتعال كارثة كبرى. تشعر الولايات المتحدة بالقلق من الفوضى السياسية في الدول النووية تحديداً وتحاول تجنّبها دوماً بسبب مخاطر السرقات والخسائر والاستعمال غير المقصود للأسلحة النووية. حتى أن النظرية القائلة إن إيران المسلحة نووياً لن تُحرّك أي ساكن فيما تحاول الولايات المتحدة خنقها لا تستحق الاختبار أصلاً.

على صعيد آخر، لم يتّضح بعد السبب الذي قد يدفع الشعب الإيراني إلى رفض قدرات تصنيع الأسلحة النووية. تكشف استطلاعات الرأي أن معظم الإيرانيين يعارضون التسلّح اليوم، لكن من المتوقع أن تتغير نسبة دعمهم بعد تنفيذ اختبار نووي قد يعتبره الكثيرون إنجازاً مهماً ومصدراً للفخر الوطني. تشير الاستطلاعات نفسها دوماً إلى دعم الإيرانيين لبرنامج بلدهم النووي، حتى لو ترافق هذا التوجه مع تكاليف كبرى. وإذا انهار النظام القائم فعلاً، يظن تاكيه أن قيادة موالية للأميركيين ستحل مكانه وستكون مستعدة لتفكيك الترسانة النووية الإيرانية. لكن قد تستلم جماعة أكثر تطرفاً السلطة، أو ربما يعتبر القادة الجدد أن التمسك بالأسلحة النووية مفيد لتلميع صورتهم داخلياً أو لاستعمالها كورقة مساومة، حتى لو كانوا أكثر وداً مع الولايات المتحدة وحلفائها. لهذا السبب، سيكون بناء سياسة كاملة استناداً إلى التوقعات المرتبطة بنتيجة ثورة محتملة نهجاً مُضلِّلاً.

بدل تقبّل اقتراب تصنيع قنبلة نووية حتمية، يجب أن تُركّز الولايات المتحدة إذاً على منع إيران من تجاوز العتبة النووية. لتحقيق هذا الهدف، تقضي أفضل طريقة بعقد صفقة مع إيران لكبح مسار برنامجها النووي تحت إشراف دولي واسع النطاق مقابل تخفيف العقوبات. أصبح هذا الهدف أكثر صعوبة اليوم بعد انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق المبرم في العام 2015 والتقدم النووي الذي أحرزته إيران في المرحلة اللاحقة. لكن تُقدّم التجارب التاريخية سببَين للتفاؤل: إيران ليست ملتزمة بتصنيع قنبلة، ويمكن التأثير على القرارات المرتبطة ببرنامجها النووي. لذا تقضي مهمة واشنطن الأساسية بإقناع إيران بأنها تستطيع تحقيق مصالحها بأفضل الطرق عبر التوصّل إلى اتفاق مفيد بدل تطوير برنامجها النووي. لبلوغ هذه الغاية، يُفترض ألا تجاهر الولايات المتحدة بالخيار العسكري علناً، بل تبقى منفتحة على الحل الدبلوماسي وتبدي استعدادها لتقبّل أي خيارات بديلة عن الاتفاق النووي الذي أصبح مُهدداً اليوم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.