إليزابيت ديكينسون

جيلٌ جديد من الجنود الأطفال صنيعة الإقفال التام

10 كانون الأول 2021

المصدر: Foreign Policy

02 : 01

في شارع مُغبِر وغير مرصوف في أحد أحياء "توماكو" المضطربة في كولومبيا، دفع أولاد باب الصف في مدرسة مؤلفة من قاعتَين وجلسوا على مقاعدهم. فتحت معظم المدارس في هذه البلدة الساحلية المطلة على المحيط الهادئ وفي أنحاء كولومبيا أبوابها في شهر أيلول، بعد 18 شهراً على إقفالها بسبب تفشي فيروس كورونا. لكنّ هذه المدرسة بالذات، Educate the Streets، قررت ألا تغلق أبوابها يوماً. برأي العاملين هناك، يبقى الفيروس أقل خطورة من كسل الأولاد.

حين بدأت فترة الإقفال التام، اجتمع المتطوعون الذين يديرون المدرسة في حي "فينتو ليبري" للتفكير بخياراتهم. فلم يجدوا أمامهم إلا خياراً واحداً: متابعة إعطاء الدروس على أمل ألا تأمرهم السلطات بإغلاق المدرسة. تقول المعلمة لوز داري التي تُعلّم أولاداً بين عمر الخامسة والتاسعة: "حين نوقف التعليم، تبدأ عملية تجنيد الأولاد في الجماعات المسلّحة. لم يوقف المعلّمون التعليم في زمن كورونا، ولم يوقف الأهالي إرسال أولادهم. هذه مدرسة، لكنها مساحة آمنة قبل كل شيء".

في هذا النوع من أحياء المدن وفي مساحات أخرى من أرياف كولومبيا، بات تجنيد الأطفال في الجماعات المسلّحة يثير مخاوف وطنية كبرى. أدى خليط من العوامل إلى زيادة أعداد الشباب والقاصرين المنضمين إلى صفوف المجرمين، منها تسارع وتيرة الصراع، ونشوء جماعات مسلّحة جديدة، وإغلاق المدارس، واليأس من الوضع الاقتصادي.

تذكر مصادر الحكومة الكولومبية أن 465 طفلاً على الأقل خضعوا للتجنيد بين العامين 2016 و2020، لكن لا يعكس هذا الرقم الأعداد الحقيقية. خوفاً من انتقام الجماعات المسلحة، تفضّل عائلات كثيرة عدم الإبلاغ عن هذه الجريمة، لا سيما إذا كانت تقيم بعيداً عن المكاتب الحكومية.

مظاهر الصراع ليست جديدة في "توماكو". تشكّل الأنهار المتعرجة والقرى النائية الصغيرة ممرات مثالية لتهريب المواد الخام للكوكايين إلى البحر، ثم تتجه من هناك إلى الولايات المتحدة أو أوروبا أو آسيا. يدفع المشترون مبالغ متزايدة مقابل الشحنات التي تتدفق مجدداً نحو مناطق "نارينيو" الريفية وتُرسّخ سيطرة الجماعات المسلحة هناك.

كانت معظم هذه الطرقات تحت سيطرة "القوات المسلحة الثورية الكولومبية" ("فارك") خلال السنوات التي سبقت اتفاق السلام الذي عقدته هذه الجماعة مع كولومبيا. حين وافقت حركة "فارك" على تسليم أسلحتها والانسحاب من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في العام 2016، تراجع منسوب العنف في عدد كبير من المناطق الغارقة في الصراعات بدرجة ملحوظة. شهدت منطقة "نارينيو" الريفية تحولات موقتة. في الريف، تمكن المزارعون من التنقل على طول طرقات الأنهار بلا خوف.

لكن لم تتراجع مظاهر العنف في "توماكو" يوماً. يتذكر السكان هناك حضور جماعات منشقّة جديدة منذ العام 2017، فراحت هذه الأخيرة تحارب الجماعات الإجرامية الأخرى على طرقات التهريب في المدن.

شملت هذه الجماعات الجديدة فصائل من المنشقين في حركة "فارك"، فضلاً عن أكبر عصابة يسارية متبقية في البلاد (جيش التحرير الوطني)، وبقايا جماعات إجرامية وشبه عسكرية أخرى. سارعت هذه الجماعات للسيطرة على الأراضي المربحة وطرقات الأنهار التي تركتها "فارك" وراءها وأطلقت حملة مكثفة لتجنيد العناصر.

لطالما كان الأولاد أهدافاً سهلة لهذه الجماعات، إذ يمكن استمالتهم عبر العقوبات أو المكافآت. في بعض الحالات، تُجبِر الجماعات المسلّحة العائلات على إرسال فردٍ منها للانضمام إلى صفوفها. لكنّ وعودها بتأمين الطعام وإعالة العائلات تُجمّل الصفقة، لا سيما إذا كانت العائلة تمرّ بضائقة اقتصادية.

ثم جاء وباء كورونا ليوسّع ظاهرة تجنيد الأولاد. حين منعت الحكومة الكولومبية التنقل بين البلديات في العام 2020، وجدت الجماعات المسلّحة في "كاوكا" فرصة ذهبية للاستيلاء على الأراضي التي تريدها. بحجة تطبيق تدابير الحجر المنزلي، حرصت تلك الجماعات على الحد من تنقلات الناس لتحرير ممرات التهريب وتوسيع بصمتها.

تزامناً مع الجمود الاقتصادي الذي يشهده البلد، بدأت الجماعات المسلّحة تنشر شائعات حول الرواتب المرتفعة التي يُفترض أن تدفعها (قد تصل إلى ألف دولار شهرياً، فضلاً عن توفير دراجات نارية وهواتف خليوية وكهرباء في أماكن الإقامة المخصصة للمجندين). لكن يقول المسؤولون العسكريون إن المجندين الأطفال نادراً ما يتلقون الامتيازات التي وُعِدوا بها بعد انضمامهم.

يُكلَّف الأولاد بقطف أوراق نبات الكوكا، وهي مهمة شاقة تناسب أيدي الأولاد الصغيرة وأجسامهم الرشيقة. بدأت العائلات التي خسرت عملها أو كانت تكسب مداخيل غير رسمية بسبب الوباء تتكل على المبالغ التي يجنيها أولادها. قد يكسب قاطف الكوكا البارع بين 20 و25$ يومياً. كذلك، بدأت الجماعات تستهدف الفتيات الصغيرات بشكلٍ أساسي كي يصبحن مقاتلات وحبيبات ومُخبِرات مأجورات أو أداة لاستمالة المجندين الرجال.

تجددت الأزمة في "توماكو" بسبب خليط مشابه من أوقات الفراغ المطوّلة والحاجات الاقتصادية المتزايدة. أثناء التجول في "فينتو ليبري" في صباح أحد الأيام حديثاً، شرحت المعلّمة سميرة من مدرسة Educate the Streets حقيقة ما يعيشه طلابها. خسر أهالي الكثيرين عملهم أو وجدوا صعوبة في كسب مداخيل غير رسمية خلال فترة الإقفال التام. ولم يعد الأولاد، بعد تغيّبهم عن المدرسة، يقصدون أي مكان وخَلَت المنازل من الطعام لإبقائهم فيها.

تكلمت المعلمة في مناسبات متكررة عن عائلات لديها ابن منتسب إلى جماعة مسلّحة، أو نسيب ينتمي إلى صفوفها، أو أم تعمل كساعية بريد. أصبحت الامتيازات التي تجذب الناس إلى تلك الجماعات المسلّحة واضحة. أثناء المرور بين منازل خشبية، أشارت سميرة إلى مبنى لافت، وهو عبارة عن منزل مؤلف من ثلاثة طوابق وفيه كهرباء وحديقة. هي تقول إنه منزل مقاتل رفيع المستوى في إحدى الجماعات المسلّحة.

رغم فتح المدارس مجدداً وإنهاء تدابير الإقفال التام، تبيّن أن وقف عمليات التجنيد سيكون صعباً. تقول السلطات في "كاوكا" إن الجماعات المسلّحة سبق وتسللت إلى الحياة الاجتماعية. يزداد عدد العائلات التي تشمل فرداً تجنّد فيها أو انضم إليها، ما يجعلها أكثر اتكالاً على تلك الجماعات للصمود اقتصادياً. كل من يجرؤ على رفع الصوت ضد ما يحصل يواجه عواقب وخيمة.

تقول زعيمة من السكان الأصليين في بلدية "كالوتو": "اليوم، يجد كل من يعارض تلك الجماعات منزله مغطىً بكتابات جدارية تذكر الساعات المتبقية له للمغادرة قبل قتله. لا تستهدف التهديدات الزعماء من السكان الأصليين فحسب، بل يضطر كل من يعارض تلك الجماعات لالتزام الصمت".

بدأ استدعاء الأولاد المجندين من شمال "كاوكا" تزامناً مع ارتفاع حصيلة القتلى في ساحة المعركة في الجزء الجنوبي من محيط مدينة "أرجيليا"، حيث تحارب الفصائل المنشقّة والمتناحرة بعضها مع بعض بشراسة وتقاتل جيش التحرير الوطني والجيش النظامي. في شهر تشرين الأول مثلاً، ذكر تقرير صادر عن الجيش سقوط 10 قتلى في يوم واحد، منهم عدد من الأولاد.

تدرك الحكومة الكولومبية جيداً أن أعداد الأطفال المجندين في طور الارتفاع، وقد أعلنت أنها تحاول محاربة هذه الظاهرة. وقد أصدر أمين المظالم تحذيراً مبكراً في كانون الأول 2020 ذكر فيه أن وباء كورونا يُسرّع تجنيد الأولاد. وفي شهر شباط، أعلنت وكالة حماية العائلات ومكتب النائب العام في كولومبيا عن فتح عدد من التحقيقات الجديدة للعثور على المذنبين الأساسيين.

لكن كان أداء السلطات مثيراً للجدل في الوقت نفسه، فقد أثبتت درجة من اللامبالاة في بعض الحالات ولم تكن التزاماتها كافية في حالات أخرى. بعد مقتل قاصر أثناء قصف معسكر للمنشقين في جنوب كولومبيا في شهر آذار الماضي، استخف وزير الدفاع الكولومبي، دييغو مولانو أبونتي، بتلك المأساة معتبراً أن الأولاد، بعد تجنيدهم، يصبحون "آلات حرب"، ما يجعلهم أهدافاً مشروعة.

على طول الساحل المُطِلّ على المحيط الهادئ، يُصِرّ الجيش على أهمية إبقاء الأولاد خارج الصراع. في "توماكو"، نشر الجيش مراكز تفتيش ولا يكف عن مراقبة المعابر الكبرى وحراستها. لكن عند التجوّل في شوارع "فينتو ليبري" وأي مناطق أخرى معرّضة للخطر، لن نجد أي ضابط شرطة أو جندي في المكان.

على صعيد آخر، نشرت الحكومة الكولومبية وحدة من الجيش في كل بلدية من "نارينيو"، ويصل عدد العناصر الإجمالي إلى 6 آلاف. هم يجرون دوريات منتظمة في ممرات التهريب، لكن يكون عدد كبير من الأنهار ضحلاً أكثر من اللزوم ولا يتحمل المراكب العسكرية، كما أن الأراضي الحرجية المليئة بمستوطنات صغيرة توفر تغطية كبرى للجرائم. في هذا السياق، يقول مسؤول عسكري بارز: "الأنهار تربط بين ممرات التهريب. لقد نشرنا نقاط تفتيش عبر مراكب أكبر حجماً وزوارق صغيرة، لكننا ننتشر بشكلٍ أساسي في الأنهار الكبرى. تنشط الجماعات في الأنهار الصغيرة".

لكن تبدو هذه التدابير كلها بعيدة عن الواقع في "فينتو ليبري"، حيث يقترح المعلمون مجموعة مختلفة من الحلول: فرص جاذبة، طعام، أبسط مستلزمات الراحة. في النهاية، تقول لوسيا التي تُعلّم طلاباً أكبر سناً: "يجب أن نطبّق تدابير وقائية ونقدّم لهؤلاء الأولاد قدوة مختلفة كي يحتذوا بها". لكن حتى الآن، لا تزال النماذج المطلوبة خارج جدران الصف محدودة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.