ويليام فيغوروا

الصين وإيران واتفاق الـ25 سنة: حدود التعاون

24 كانون الثاني 2022

المصدر: The Diplomat

02 : 01

أثارت التطورات الأخيرة في العلاقات الصينية الإيرانية ضجة واسعة في ظل تجدد الكلام حول نشوء تحالف إيراني صيني، أو "توجّه" الصين نحو محور إيران، بما يضمن زعزعة استقرار المنطقة ويُهدد المصالح الأميركية. يقال إن الصين كثّفت نشاطاتها في أحدث جولة من المحادثات التي تشهدها فيينا وتهدف إلى تجديد "خطة العمل الشاملة المشتركة" المعروفة على نطاق واسع بالاتفاق النووي الإيراني. في غضون ذلك، زادت الصين استيراد النفط من إيران ودعمت الموقف الإيراني المعادي للولايات المتحدة بخطاباتها.

تزامناً مع هذه الاضطرابات، زار وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، الصين في 14 كانون الثاني لمناقشة طريقة تنفيذ اتفاقية التعاون الاستراتيجي التي عُقِدت بين إيران والصين في السنة الماضية وتمتد على 25 سنة. لم تكن تعليقاته مفصّلة لكنها شددت على رغبة بلده في تطوير علاقات وثيقة مع الصين في مجالات مثل التجارة والأمن ومحاربة وباء كورونا.

لكن رغم هذه الأحداث كلها، برزت مؤشرات الى محدودية التعاون الصيني الإيراني. قد يضطر الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، للتوجه شرقاً بعد انسحاب الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، لكن تتابع الحكومة الصينية التطلع في اتجاهات متعددة في الوقت نفسه. تقيم الصين علاقات متنوعة مع المملكة العربية السعودية، وإسرائيل، وعدد من جيران إيران وخصومها الإقليميين. حتى أنها ليست بعيدة جداً عن الموقف الأميركي بشأن الأسلحة النووية الإيرانية، وتعكس مساهماتهما في مفاوضات فيينا هذا التوجه. كذلك، تعتبر الصين إيران مجرّد جزء من استراتيجية كبرى للتواصل مع العالم وتحقيق النمو الاقتصادي، وهي لا تراهن على طرف واحد.

بعد التوقيع على اتفاقية التعاون بين إيران والصين في شهر آذار من السنة الماضية، توقّع الكثيرون تدفق الاستثمارات الصينيـة وحصول تعــــاون عسكري وسياسي كبير بين الطرفين. لكن لم تتحقق هذه التوقعات حتى الآن. تعمد الصين إلى شراء كميات قياسية من النفط الإيراني، لكنها لا تستثمر في الإنتاج أو مجالات أخرى. وكانت الصفقات الجديدة التي أبرمتها الحكومتان منذ شهر آذار محدودة بكل وضوح.

اقتصر التطور البارز الوحيد على انضمام إيران إلى "منظمة شنغهاي للتعاون"، وهي هيئة دولية تقودها الصين وتهدف إلى تحقيق المصالح الاقتصادية والسياسية والثقافية لجميع الدول المنتسبة إليها. لكن تبقى هذه المنظمة ضعيفة بشكل عام، فهي تقدّم في المقام الأول منصة للنقاش بدل أن تطرح آلية فاعلة لتنفيذ السياسات المتفق عليها. كذلك، لا تحمل "منظمة شنغهاي للتعاون" سجلاً لامعاً من النجاحات على مستوى تسهيل الروابط التجارية والاقتصادية والثقافية بين الدول الأعضاء رغم خطاباتها الرنانة حول هذه المسائل. لن تصبح إيران جزءاً من المنظمة بشكلٍ رسمي قبل مدة قد تصل إلى سنتين، لكن تزامنت عضويتها مع ضمّ السعودية ومصر وقطر كـ"شركاء في الحوار". إنه مؤشر إضافي الى مساعي الصين لإيجاد التوازن المناسب بين مصالح إيران والتنازلات التي تستطيع تقديمها لخصومها.

علاقة الصين مع بقية دول الشرق الأوسط

غالباً ما تطغى الروابط الصينية الإيرانية على علاقة الصين مع دول أخرى في الشرق الأوسط. لم تحصل زيارة وزير الخارجية الإيراني بلا سبب، بل إنها تزامنت مع سلسلة محادثات رفيعة المستوى مع البحرين، والسعودية، والكويت، وسلطنة عمان، وتركيا، ومجلس التعاون الخليجي خلال الأسبوع نفسه. ثمة علاقات قوية أصلاً بين هذه الدول كلها والصين، ويتجاوز جزء كبير منها حدود التعاون الإيراني الصيني. حتى أن بعض الدول يبقى معادياً لإيران، لا سيما السعودية. بالنسبة إلى عدد كبير من هذه البلدان، تُعتبر الصين اليوم أهم شريكة تجارية، ويؤكد هذا الوضع أهمية أن تحافظ بكين على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف، ما يعني ألا تبالغ في دعم إيران.

تُعتبر علاقة الصين مع المملكة العربية السعودية خير مثال على ذلك. قبل أيام قليلة على زيارة حسين أمير عبد اللهيان، اجتمع وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان آل سعود في مدينة "ووشي" الصينية. اعتبر وانغ زيارة وزير الخارجية السعودي، وهو أول من يزور الصين في السنة الجديدة، انعكاساً للشراكة الاستراتيجية الشاملة ورفيعة المستوى بين البلدين وتأكيداً على مكانة السعودية كـ"أكبر شريكة تجارية للصين وأهم مصدر لواردات النفط الخام في الشرق الأوسط". وفي الشهر الماضي، تبيّن أن الصين كانت تساعد السعودية على تطوير برنامجها الخاص لإنتاج الصواريخ، ما قد ينهي اتكال البلد على شراء الصواريخ البالستية الأجنبية. تتلقى السعودية أصلاً أسلحة هائلة من الولايات المتحدة، ما يُصعّب تصديق المزاعم الأميركية المرتبطة بزيادة المخاوف من حصول سباق تسلّح، لكن قد يسمح البرنامج الجديد بردع إيران ومنعها من تنفيذ أي ضربات مستقبلية بالطائرات المسيّرة في السعودية.

دور الصين في فيينا

برأي مراقبين آخرين، قد تقدّم الصين دعماً كلامياً لإيران وتنتقد الولايات المتحدة بسبب انسحابها من "خطة العمل الشاملة المشتركة"، لكن لا يمكن اعتبار بكين منحازة إلى إيران بالكامل. من وجهة نظر الصين، يجب ألا تخضع إيران لأي شكل من العقوبات ومن حقها أن تحصل على الطاقة النووية، لكن تعارض بكين في المقابل انتشار الأسلحة النووية وتدعم الإشراف الدولي كحل للمسألة النووية عموماً. ترغب إيران بدورها في العودة إلى "خطة العمل الشاملة المشتركة"، لكنها طرحت في الوقت نفسه مطالب إضافية تتردد الصين في دعمها حتى الآن، لا سيما الطلب المرتبط برفع جميع العقوبات قبل المفاوضات. قد تؤيد الصين هذا الطلب علناً، لكنها تضغط على إيران من وراء الكواليس لتقديم التنازلات التي وعدت بها والعودة إلى طاولة المفاوضات فوراً.

تؤيد الصين "خطة العمل الشاملة المشتركة" أكثر مما تدعم الموقف الإيراني ككل. ولا ينجم دعمها عن خوفها من دوافع إيران النووية (يدرك القادة الصينيون على الأرجح أن النظام الإيراني ليس انتحارياً بطبيعته) بقدر ما يهدف إلى إخماد التوتر السائد بين إيران والولايات المتحدة تمهيداً لرفع العقوبات عن إيران. تبقى العقوبات أكبر عائق أمام تنفيذ الاتفاق الإيراني الصيني الممتد على 25 سنة وتحسين الروابط الاقتصادية بين البلدين. لا يمكن أن يهتم المستثمرون الصينيون بإيران ما لم تُرفَع العقوبات عنها.

أي نــــوع مــــن الــــتــــحــــالــــف؟

رغم التقدم الذي شهدته العلاقات الصينية الإيرانية في الفترة الأخيرة، تبقى الشراكة بين البلدين محدودة بسبب السياسة الأميركية ومصالح بكين. هذه الشراكة لم تمنع الصين من تطوير القدرات العسكرية في دولة مجاورة عدائية أو التصدي لجزء كبير من استراتيجية إيران الهجومية. حتى أن بكين وجدت نفسها في موقع قوي يُخوّلها الضغط على حليفتها بدل التضييق على الولايات المتحدة في فيينا. في غضون ذلك، لم يتحقق تقدم بارز في مشاريع البنى التحتية والخطط الاقتصادية والأمنية التي توقّعها المحللون الغربيون وألمحت إليها الحكومة الإيرانية.

كانت إيران قد شاركت في هذه الاتفاقيات أصلاً بالإكراه بعد تعرّضها لضغوط شديدة من الولايات المتحدة، فاضطرت للمشاركة في صفقات تشمل شروطاً لا تحبذها بالضرورة. كذلك، يشتكي رجال الأعمال والمستهلكون الإيرانيون على حد سواء من الشروط غير المناسبة والمنتجات الرديئة وعدم تحقيق الوعود تحت تهديد العقوبات. إذا كانت العلاقات الصينية الإيرانية تدخل في خانة التحالف إذاً، فلا يمكن اعتبارها تحالفاً إيجابياً جداً.

لماذا يتابع البعض إذاً التشديد على التهديد الذي يطرحه التحالف الصيني الإيراني؟ وفق المعسكر الذي يعتبر هيمنة الولايات المتحدة على الشرق الأوسط وآسيا عاملاً محبذاً ومبرراً، تطرح الصين تهديداً واضحاً كونها تقدّم الدعم الدبلوماسي والمالي من دون أن تلتزم بالتوجيهات الأميركية. طالما تستطيع الصين إضعاف السياسة الأميركية الرامية إلى تهميش إيران عن طريق العزلة الدبلوماسية والحرمان الاقتصادي، ستبقى بكين مصدر تهديد. لكن من حق الصين طبعاً أن تتصدى للاستراتيجية الأميركية تجاه إيران. تُعتبر سياسة "الضغوط القصوى" التي تفرض عقوبات صارمة وتحرم الإيرانيين العاديين من المواد الغذائية والأدوية الأساسية غير مقبولة أخلاقياً، والأهم من ذلك هو احتمال تطبيقها بالطريقة نفسها على الصين.

فشلت هذه السياسة طوال عقود عدة ولم تتغير في عهد بايدن، وهي تتطلب تبريراً قوياً للتعويض عن تداعياتها البغيضة والواضحة. قد يكون التهديد الذي يطرحه المحور الصيني الإيراني المستجد مبرراً جديداً ومناسباً كي يدق داعمو استعمال القوة ناقوس الخطر بعدما حرمتهم "خطة العمل الشاملة المشتركة" من المبرر الذي استعملوه سابقاً، أي طموحات إيران النووية الخارجة عن السيطرة. يرصد هذا المعسكر في أبسط التفاعلات بين إيران والصين تهديداً "لا يمكن أن يتجاهله بايدن" ويُفترض أن يتصدى له البلد عبر "إثبات قوته". لكن ما من أدلة على توقعاتهم المقلقة، بل يشير التعاون الإيراني الصيني إلى شراكة محدودة أكثر مما يظن الكثيرون.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.