ماثيو كلاين

القوى البنيوية وراء الفوضى الجيوسياسية... أحكام خاطئة على التاريخ الحديث

17 أيار 2022

المصدر: Foreign Policy

02 : 05

لم تكن العقود القليلة الماضية إيجابية بالنسبة إلى الديمقراطيات في شمال الأطلسي. أدى تلاشي النشاطات الصناعية، والأزمات المالية، والبطالة الجماعية، والفوضى في الشرق الأوسط، وتوسّع مظاهر اللامساواة، إلى تقصير متوسط العمر المتوقع، وإضعاف الاستقرار الاجتماعي، وفتح المجال أمام ظهور الديماغوجيين والمستبدين. حصلت هذه التطورات كلها قبل تفشي جائحة كورونا التي قتلت عشرات ملايين الناس، وقبل تهجير ملايين الأوكرانيين واضطراب أسواق السلع العالمية بسبب إقدام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على غزو أوكرانيا بأكثر الطرق وحشية. واقعياً، هل كان الغرب يستطيع تجنّب أي من هذه الأحداث؟ أم أنه كان ليقف عاجزاً أمام "الصدمات البنيوية التي انتقلت من مجال إلى آخر ووصلت إلى النطاقات الجيوسياسية والاقتصادية والسياسية المحلية"، كما تذكر الأستاذة هيلين طومسون من جامعة "كامبريدج" في كتابها Disorder: Hard Times in the 21st Century (فوضى: أوقات صعبة في القرن الواحد والعشرين).

إنه سؤال مهم. إذا كان فريق محدد من السياسيين والتكنوقراط يرتكب الأخطاء، سيبقى الأمل موجوداً. يستطيع العالم أن يتعلم من خياراته ويحسّن أداءه مستقبلاً أو يرتكب أخطاء جديدة ومختلفة على الأقل، وإلا يمكن الاكتفاء ببلوغ مستوى من الراحة حين نقتنع بعدم وجود أي خيارات بديلة.

تظن طومسون أن مشاكل القرن الواحد والعشرين بدأت في العام 1970، حين تحوّل الاكتفاء الذاتي الأميركي في مجال النفط إلى اتكال مفرط على الاستيراد وشح في مصادر الطاقة. بحسب رأيها، منع هذا التغيير الجذري الحفاظ على النظام الجيوسياسي والمالي والاجتماعي بعد حقبة الحرب العالمية الثانية.

على نطاق أوسع، كان تفسير طومسون للأزمة المالية العالمية وأزمة اليورو ليستفيد من فهم الروابط بين التجارة والاختلالات المالية. لدفع تكاليف الواردات، تقضي الطريقة الطبيعية بزيادة الصادرات، وتسمح زيادة الصادرات بتحمّل كلفة واردات إضافية. لكن لم تُستعمَل هذه المعادلة في جميع الظروف خلال العقود الأخيرة، بل ظهرت اختلالات هائلة في عدد من الاقتصادات الكبرى.

تكثر التداعيــــات المتوقعة عند الإغفال عن هذا العامل. تنسب طومسون هذه الاضطرابات كلها إلى خليط من ارتفاع أسعار النفط وتجاوزات البنوك الأوروبية. أدت زيادة أسعار النفط إلى انحسار المداخيل التقديرية والحد من القدرة على تسديد الديون. في غضون ذلك، مهّد نشوء عملة اليورو لزيادة الإقراض المصرفي بدرجة هائلة داخل أوروبا، وعمد جزء من تلك البنوك نفسها إلى توسيع عملياته الأميركية، فاقترض بالدولار على المدى القصير من أسواق المال الأميركية لأخذ قروض طويلة الأمد، أبرزها رهون عقارية مشبوهة. برأي طومسون، كانت المشكلة المحورية تتعلق بعدم امتلاك البنك المركزي الأوروبي وبنك إنكلترا والبنك الوطني السويسري احتياطيات كافية بالدولار لاستعمالها دعماً لمصارفها إذا قررت الصناديق المالية الأميركية سحب تمويلها يوماً. لهذا السبب، اضطر الاحتياطي الفدرالي الأميركي للتدخل حين وقعت الأزمة المالية وقدّم قروضاً عاجلة بتريليونات الدولارات.

هذه التحليلات ليست خاطئة لكنها ناقصة. لا يمكن فهم الأسباب الكامنة وراء تصاعد الديون أو تراجعها في أماكن معينة من دون مراجعة تداعيات قلة الاستهلاك ونقص الاستثمار في الخارج بسبب الفوائض التجارية والعجز التجاري. لكن تظن طومسون أن التقييمات التي تضع الأزمة العالمية في هذه الخانة من تحليلات ميزان المدفوعات "مُضلّلة".

لم تكن زيادة أسعار النفط لتكبح النمو خلال السبعينات أو بعد العام 2000، بل حصل ذلك لأن المصدّرين اختاروا تخزين مكاسبهم غير المتوقعة عبر شراء أصول مالية بدل استعمال قدرتهم الشرائية المستجدة لشراء سلع وخدمات إضافية، فاضطر المستهلكون للاختيار بين تخفيض نفقاتهم وزيادة ديونهم بسبب زيادة أسعار النفط. لو سمح منتجو النفط برفع مستوى المعيشة بكل بساطة، كان العمّال في أماكن أخرى ليزيدوا تصنيع الصادرات وبيعها.

كذلك، كان ظهور الصين كقوة كبرى في مجال التصنيع صادماً بالنسبة إلى العمال في الدول الصناعية لأن دولة الحزب الواحد حرصت على منع المستهلكين الصينيين من إنفاق الأموال التي يُفترض أن يصرفوها على السلع والخدمات التي يريدونها. لم تطبّق الصين مبدأ "النمو المنبثق من التصدير"، بل فضّلت كبح الأجور والقمع المالي لوقف الواردات. كان هذا الخيار سيئاً للشعب الصيني، لكنه بدا مكلفاً أيضاً لكل من خسر مداخيله خارج الصين لأنه يعجز عن بيع سلع كافية للعملاء الصينيين.

كانت طومسون محقة حين ذكرت أن ازدهار الإقراض المصرفي داخل أوروبا ينجم عن ابتكار عملة موحدة، وبالتالي تراجع مخاطر انهيار قيمة العملة لاحقاً. لكنها لا تهتم كثيراً بالسبب الكامن وراء نجاح البنوك الألمانية تحديداً في إيجاد أصول مشبوهة في الخارج، لا سيما في ظل تراجع الاقتراض والإنفاق محلياً. كذلك، تنجم قلة الاستهلاك ونقص الاستثمارات عن طبيعة السياسات وقرارات النُخَب التجارية في ألمانيا.

أكثر ما يثير القلق هو ميل طومسون إلى التشديد على أهمية النفط و"اليورو دولار" (يشير هذا المصطلح إلى عمليات الإقراض بالدولار خارج الولايات المتحدة)، ما يدفعها إلى ارتكاب أخطاء متكررة.

لم يقرر رئيس الاحتياطي الفدرالي الأميركي السابق، آلن غرينسبان، وزملاؤه التخلي عن استهداف المعروض النقدي لأن "أسواق اليورو دولار أضعفت أسعار الفائدة الوطنية"، كما تكتب طومسون. في النهاية، تبقى معدلات الفائدة جزءاً من الأسعار، ما يعني أنها تتأثر بالتغيرات الحاصلة في المعروض النقدي والطلب على المال. لن تصبح العلاقة مستقرة يوماً بين أسعار الفائدة والمعروض النقدي طالما تُغيّر الأُسَر والشركات المبالغ التي تريد الاحتفاظ بها في الحسابات المصرفية على شكل صناديق للتقاعد أو الإسكان أو فئات أخرى من الأصول. أدرك المسؤولون في الاحتياطي الفدرالي، على غرار المصرفيين داخل البنوك المركزية في بقية دول العالم، أن الإجراءات المرتبطة بالمعروض النقدي تبقى بعيدة عن الأهداف التي يهتمون بها. لا تكف كمية الأموال التي يحتاج إليها القطاع الخاص لتحقيق النمو من دون تضخم مفرط عن التغيّر بطرقٍ غير متوقعة، ولهذا السبب لم يعد المسؤولون في الاحتياطي الفدرالي وبنوك مركزية أخرى يتعاملون بجدّية مع هذه المسألة منذ عقود.

رغم أهمية أسعار النفط، لم يبدأ الاحتياطي الفدرالي برفع معدلات الفائدة بين ليلة وضحاها في حزيران 2004 "رداً على ما اعتبره الآثار التضخمية لارتفاع أسعار النفط". توضح نسخة من الاجتماع المخصص لتحديد السياسات المرتقبة أن المحللين وعدداً كبيراً من أهم صانعي السياسة كانوا يتوقعون تراجع أسعار النفط، أو استقرارها على الأقل بحدود 37$ للبرميل الواحد. حاول المسؤولون في الاحتياطي الفدرالي بكل بساطة "تطبيع" أسعار الفائدة على المدى القصير لمواكبة التعافي الاقتصادي العام غداة الانكماش في بداية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين.

لكن رغم تصاعد أسعار النفط، أوقف الاحتياطي الفدرالي رفع أسعار الفائدة في العام 2006 وخفّضها في العامين 2007 و2008 لأن المسؤولين كانوا يركزون طوال الوقت على الظروف الاقتصادية والمالية المحلية في الولايات المتحدة. لهذا السبب أيضاً، حافظ الاحتياطي الفدرالي على هدوئه حين ارتفعت أسعار السلع بدرجة كبيرة في العام 2011. ردّ البنك المركزي الأوروبي بطريقة مختلفة في العامين 2007 و2008، وفـــي العام 2011 أيضاً، كما تذكر طومسون، لكن تم اتخاذ هذا القرار من جانب أشخاص يحملون آراءً محددة (وخاطئة) حول آفاق التضخم، بدل تقييم العواقب الحتمية للتفويض القانوني الذي يملكه البنك المركزي الأوروبي لإبداء استقرار الأسعار على النمو.

بدأت مشاكل الصين مع هرب الرساميل في العام 2012، تزامناً مع بداية حملتها القمعية لمكافحة الفساد، لا في العام 2015 حين كان الاحتياطي الفدرالي يستعد لرفع أسعار الفائدة. لم تواجه الصين يوماً «قيود الدولار» لأن الاحتياطيات الهائلة التي يملكها بنك الشعب الصيني لطالما طغت على الديون الضئيلة التي تكبّدتها الشركات الصينية بعملة الدولار.

الأسوأ من ذلك هو أن تباطؤ معدل النمو في الصين بدءاً من العام 2011 لا علاقة له «بالمخاطر المتواصلة التي تطرحها مشاكل نقص الدولار في أسواق اليورو دولار»، فقد اختار المسؤولون الصينيون هذه السياسة طوعاً لأنهم أرادوا تقليص مشاريع البناء غير الضرورية والمسيئة للبيئة التي انطلقت رداً على الأزمة المالية العالمية. تكتب طومسون أن القادة الصينيين شعروا بالقلق من أن «يصبح البلد أسير نموذج النمو المنخفض بسبب الضعف الصيني المرتبط بديون البلد بالدولار». لكنها تقتبس أفكاراً من مقالة نشرتها صحيفة «بيبولز ديلي» في العام 2016 وكانت قد حذرت من زيادة الاقتراض بعملة اليوان مجدداً، ورحّبت بتباطؤ النمو لأن «الصين مضطرة للاختيار بين الكمية والنوعية».

هذا النوع من الأخطاء يشكك بمصداقية أجزاء أخرى من الكتاب للأسف.

ما الذي يدفع العالم إلى الاقتناع بأن الديمقراطيات تواجه تحديات كبرى بسبب "مشكلة الزمن السياسي" على عكس الأنظمة الاستبدادية؟ وما الذي يجعل انتقال العالم إلى مرحلة الطاقة الخضراء يؤجّج "الخصومة الصينية الأميركية" إذا كانت هذه الخطوة تحدّ من منافسةٍ لا غالب فيها ولا مغلوب على موارد الوقود الأحفوري؟ وإذا "نجحت الولايات المتحدة في وقف اتكالها على سلاسل الإمدادات الصناعية الصينية" فيما تعمل الصين على "توسيع أسواقها المحلية للتعويض عما يحصل"، فما الذي يبرر احتدام الصراع بدل تجديد العلاقات الودّية التي كانت سائدة قبل اضطراب الروابط الثنائية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين؟

قد يتعرّض صانعو السياسة للضغوط بسبب الظروف المادية والاجتماعية التي ينشطون فيها، وتكون إمدادات النفط والغاز مؤثرة جداً في هذا المجال كما تكتب طومسون. لكن ذكّر بوتين العالم هذه السنة بأن الخيارات الفردية قد تُحدِث فرقاً كبيراً نحو الأفضل أو الأسوأ.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.