بروس أكيرمان

نحو تجديد الناتو وردع عدوان بوتين

23 أيار 2022

المصدر: Politico Magazine

02 : 05

الرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي والأمين العام للناتو
أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في ذكرى يوم النصر حديثاً، أن الحرب في أوكرانيا ستستمر لسنوات. وحتى لو انسحبت روسيا في نهاية المطاف، لا يمكن إرساء سلام دائم هناك. خلال الحرب الباردة، كانت أوروبا الغربية تتّكل بكل ثقة على قوة الجيش الأميركي لردع العدوان السوفياتي. لكن لم يعد الوضع كذلك. سيتابع بوتين وكل من يخلفه استغلال هذا الواقع، إلا إذا أعاد حلف الناتو تنظيم نفسه بطريقة جذرية. من المبرر أن تتردد الولايات المتحدة وأوروبا في التورط في صراع مباشر مع روسيا، لكن يجب ألا تكتفيا بتقديم مساعدات قصيرة الأمد إلى أوكرانيا. حان الوقت لاتخاذ الخطوات اللازمة لترسيخ مكانة الناتو كقوة جديرة بالثقة للدفاع عن الديمقراطية الغربية في القرن الواحد والعشرين. تبرز الحاجة إلى فرض تدابير جريئة مثل مراجعة معاهدة الناتو، وإنشاء جيش في أوروبا، أو حتى طرد الدول التي خانت التزاماتها الديمقراطية. إنها أفضل طريقة لردع الكرملين وتجنّب حروب أكثر وحشية مستقبلاً.

قاومت الديمقراطيات الأوروبية هذا المسار في الماضي، لكن يقضي الرد الواقعي الوحيد على الهجوم ضد أوكرانيا اليوم ببناء جيش أوروبي قوي وجعله جزءاً من الناتو بعد إعادة تنظيم الحلف. أدت المأساة الأوكرانية الأخيرة إلى زيادة لافتة في ميزانيات الدفاع الأوروبية، لكنها أول خطوة لبناء قوة قتالية واسعة ودائمة وقادرة على التصدي لأي غزو روسي مستقبلي ضد أعضاء الناتو في البلطيق، أو ضد فنلندا أو السويد بعد انضمامهما إلى الحلف. قد يتابع الأوروبيون الاتكال على القوة الجوية والبحرية الأميركية، لكن يجب أن يستعدوا أيضاً لأداء دور قيادي دفاعاً عن أرضهم.

لن يتحقق هذا الهدف ما لم يلتزم الأوروبيون سريعاً بخطة عمل ملموسة تفرض على كل عضو في الناتو أن يُتمّم واجبات عسكرية قوية ومحددة بشكلٍ سنوي. يجب أن تضع الحكومات قواتها العسكرية أيضاً تحت سيطرة قيادة موحّدة. إذا أرسل كل بلد مقاتليه إلى ساحة المعركة مع قائد وطني، يسهل أن تتفوّق الاعتداءات الروسية المنسّقة على القوات الوطنية المنفصلة، لا سيما في عصر الأسلحة فائقة السرعة.

يطرح هذا الوضع تحديات حقيقية على القادة السياسيين في أوروبا على مستوى بناء المؤسسات. وحده الاتحاد الأوروبي يملك المؤهلات اللازمة لتنظيم جهود عسكرية واسعة النطاق، إذ يتم انتخاب برلمانه من جانب المواطنين في جميع دول الاتحاد مباشرةً. وبعد كل استحقاق انتخابي، يختار معظم المُنتَخبين لجنة تنفيذية (تقودها اليوم أورسولا فون دير لاين) لاتخاذ قرارات سياسية محورية. تتمتع هذه الهيئة بالشرعية الديمقراطية اللازمة لإطلاق هذا النوع من المبادرات العسكرية غير المسبوقة.

لكنّ المعاهدات التي تُحدد صلاحيات الاتحاد الأوروبي راهناً لا تمنح الاتحاد أي سلطة لشن الحروب. قبل أن تتمكن المفوضية الأوروبية من التدخّل، يجب أن يقترح مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي مراجعات محددة لزيادة صلاحيات المفوضية وتفعيل مطالبها المتزايدة من الدول الأعضاء.

يتألف هذا المجلس من الرؤساء التنفيذيين في كل بلد. لكن يرأسه اليوم للأسف إيمانويل ماكرون الذي بنى حملته الرئاسية ضد المرشّحة مارين لوبان على رؤية قارية ترتبط بمستقبل فرنسا. استخف عدد كبير من المحللين بالإنجاز الذي حققه ماكرون على اعتبار أن لوبان نجحت في كسب دعم شعبي واسع لبرنامجها القومي اليميني المتطرف. لكن يبقى ماكرون في مطلق الأحوال أول رئيس فرنسي يفوز بولاية ثانية في آخر عشرين سنة، وقد حقق هذه النتيجة بفارق حاسم (59 مقابل 41).

يُعتبر الرئيس الفرنسي الزعيم الذي يملك أقوى تفويض ديمقراطي في القارة الأوروبية لتوسيع معاهدات الاتحاد الأوروبي وتكثيف التعاون مع الناتو لمواجهة التهديد الروسي العسكري. سبق وأعلن ماكرون ما يلي: "خلال الأسابيع المقبلة، يجب أن نطرح اقتراحاً أوروبياً لإرساء نظام جديد يضمن الأمن والاستقرار. ويجب أن نبنيه وسط الأوروبيين، ثم نتقاسمه مع حلفائنا في إطار عمل حلف الناتو".

يستطيع الرئيس الأميركي جو بايدن أن يؤدي دوراً محورياً في هذا المجال بالذات. يجب ألا يكتفي بتشجيع ماكرون وفون دير لاين علناً على إطلاق المحادثات الشاقة التي تُمهّد لمراجعة قانون الاتحاد الأوروبي بطريقة جذرية قبل أن يصبح الجيش الأوروبي المنشود واقعاً ملموساً. وبما أن إعادة تنظيم الناتو تتطلب أيضاً موافقة الولايات المتحدة على مراجعة المعاهدة، يجب أن يعلن بايدن فوراً دعمه القوي لإحداث التعديلات اللازمة.

بشكل عام، يستحيل أن يفوز أحد بأغلبية الثلثَين في مجلس الشيوخ لتأييد مراجعة المعاهدة. لكن أدت حملة سفك الدماء في أوكرانيا إلى تغيير الوضع السياسي بطريقة جذرية. فيما يطلق ماكرون وفون دير لاين جهوداً مكثّفة لإعادة بناء الناتو، سيصبح بايدن في موقعٍ قوي يسمح له بكسب الدعم من الحزبَين الجمهوري والديمقراطي، لا سيما بعد إعلان الأوروبيين أخيراً استعدادهم لتحمّل حصتهم من الجهود الدفاعية الإجمالية. سيكون تطوير برنامج عمل ملموس لإنشاء جيش أوروبي جديد واستعماله بأفضل الطرق في كل دولة من الاتحاد الأوروبي عملاً شاقاً. وإذا لم تبدأ جهود جدّية لتحديد الأسس القانونية لهذه العملية فوراً، لن تحصل أوروبا على فرصة واقعية لنشر قوة قتالية ميدانياً بحلول العام 2030.

وحتى لو خسر الديمقراطيون سيطرتهم على مجلس الشيوخ في العام 2022، ستبقى هذه المسألة من المواضيع النادرة التي يدعم فيها الكونغرس الرئيس بايدن. في الوقت نفسه، يستطيع وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، وفريقه تقديم مساعدات ملموسة إلى ماكرون وفون دير لاين في حملتهما الطموحة لكسب دعم سياسي واسع لإعادة بناء الناتو على الجانب الآخر من الأطلسي.

لكن لن يكون نجاحهما مضموناً حتى لو حصلا على مساعدة واشنطن. في أفضل الأحوال، لا يمكن أن يكسب قادة الاتحاد الأوروبي أي سلطة قانونية لتطوير برنامج عمل وتطبيقه في جميع دول الاتحاد قبل سنة أو سنتين من التبادلات والمناوشات. لكن تقدّم المرحلة الراهنة أفضل فرصة لبذل هذا النوع من الجهود، وسيواجه بوتين ومن يخلفه نظام ردع حاسماً إذا نجحت هذه المساعي.

لكن رغم الدعم القوي لهذه الجهود الأوروبية، يجب أن يُصرّ بايدن ومجلس الشيوخ على بقاء النسخة المتجددة من الناتو أمينة لمبادئ الحلف التأسيسية. عند التوقيع على المعاهدة للمرة الأولى في العام 1949، أضاف أعضاء الناتو شرطاً أساسياً إلى وعدهم بتقديم مساعدات عسكرية متبادلة، فأوضحوا أنهم مستعدون للدفاع عن أي بلد شرط أن تبذل حكومته جهوداً كبرى لتقوية مؤسساتها الحرّة، وإلا لن يتمكن ذلك البلد من الاتكال على دول الناتو للدفاع عنه ضد أي هجوم محتمل.

لكن بعد مرور 75 سنة، من الواضح للأسف أن بعض دول الناتو يحاول تدمير الحرية بدل تقويتها. تُعتبر تركيا خير مثال على ذلك، فقد تحوّلت خلال العقد الماضي إلى دولة استبدادية بقيادة رجب طيب أردوغان. الأسوأ من ذلك هو قرار أردوغان بإرسال جيشه لمساعدة النظام السوري الاستبدادي على محاربة قوات الناتو، ما يعني أنه يحارب الحلف الذي تعهد، هو وأسلافه، بدعمه. وبما أن أنقرة لا تُعتبر حليفة جديرة بالثقة أو مدافِعة عن "المؤسسات الحرّة"، يُفترض أن يرفض بايدن ومجلس الشيوخ التوقيع على معاهدة لا تزال تعتبر تركيا جزءاً من الحلف.

تطرح المجر مشكلة أكثر تعقيداً. على غرار أردوغان، استغل فيكتور أوربان منصبه لإنشاء "ديمقراطية غير ليبرالية" لا تكفّ عن إضعاف التزام الناتو بالحرية. وعندما ترشّح لإعادة انتخابه في أولى أيام الحرب الأوكرانية، اعتبر أوربان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي "عدواً للأمة المجرية" وخاض حملته على أساس برنامج انتخابي يعارض أي عقوبات يفرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا بعد غزوها لأوكرانيا. ثم استعمل سيطرته على وسائل الإعلام لحرمان خصومه من فرصة الاعتراض على احتفاله بعدوان بوتين. نتيجةً لذلك، يشكّل فوز أوربان "الساحق" في الانتخابات انعكاساً لنجاحه في ترسيخ مبادئه غير الليبرالية في دستور البلد.

في الحد الأدنى، يجب أن يُصِرّ بايدن على تعليق عضوية المجر في الناتو إلى أن تعيد التأكيد على تغيير مسارها وتتجه إلى بناء "مؤسساتها الحرّة". تكثر الأسباب التي تنذر بترحيب قادة بروكسل وباريس بهذه المبادرة الأميركية. بدأت فون دير لاين أصلاً تقود المفوضية التي ترأسها نحو مسارٍ نادر قد يحرم المجر من إعانات بمليارات الدولارات كان الاتحاد الأوروبي يقدّمها إلى حكومة البلد، علماً أن أوربان يستعمل مال الرشوة راهناً لتمويل طموحاته الدكتاتورية.

على صعيد آخر، تفكّر المفوضية الأوروبية باتخاذ خطوات مشابهة ضد بولندا رداً على تحدّيها المستمر لقرارات محكمة العدل الأوروبية التي أعلنت أن الحكومة الراهنة تنتهك المبادئ الأساسية للديمقراطية الدستورية التي يلتزم بها الاتحاد الأوروبي. وإذا حصدت فون دير لاين الدعم اللازم لتعليق تصويت بولندا في البرلمان إلى حين التزامها بمطالب المحكمة، يجب أن يدعم بايدن تعليق عضويتها في الحلف أيضاً.

في مطلق الأحوال، تبدو التحديات المرتقبة استثنائية بمعنى الكلمة. لكنّ بناء حلف الناتو من جديد هو أفضل فرصة يملكها الغرب لمنع أي عدوان روسي آخر مستقبلاً، حتى أنه قد يسمح للولايات المتحدة وأوروبا بإعادة إحياء تقليد الديمقراطية الليبرالية المستنيرة العظيمة في وجه الديماغوجيين القوميين الذين يحاولون تدميرها على جانبَي الأطلسي.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.