ديفيد ساكس

الصين تستخلص دروساً مهمة من الحرب الروسية في أوكرانيا

27 أيار 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 05

شي جين بينغ وفلاديمير بوتين خلال اجتماعهما في بكين ‏
خارج النطاق الأوروبي، يمكن رصد تداعيات الغزو الروسي لأوكرانيا على بُعد 5 آلاف ميل، في جزيرة تايوان. يشعر عدد كبير من التايوانيين بالقلق من تعرّضهم للغزو قريباً على يد جارتهم الصينية القوية. إنها مخاوف مبررة. تكثر الاختلافات بين أوكرانيا وتايوان، لكن يواجه الطرفان مأزقاً استراتيجياً مشابهاً لأن كل بلد منهما هو عبارة عن ديمقراطية ناشئة نسبياً تقع في جوار دولة استبدادية أكبر حجماً. مثلما اعتبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استرجاع "الوحدة التاريخية" بين روسيا وأوكرانيا مهمّة روحية، يظن الرئيس الصيني شي جين بينغ أن إعادة توحيد بر الصين الرئيسي وتايوان، التي يعتبرها مقاطعة مفقودة من بلده، ستساعده على ترسيخ مكانته التاريخية. يتكلم شي عن تايوان مثلما يتكلم بوتين عن أوكرانيا، فيسلّط الضوء على رابط الدم بين الطرفين ويعتبر الصين وتايوان عائلة واحدة. تحدى بوتين في الفترة الأخيرة المفهوم التقليدي لسيادة الدول على اعتبار أن أوكرانيا لا تستحق هذا النوع من السيادة، ويحرم الرئيس الصيني تايوان من سيادتها بالكامل، على غرار جميع أسلافه. لكن رغم نقاط التشابه هذه، يخطئ من يفترض أن الغزو الروسي لأوكرانيا قد يسرّع رغبة الصين في ضم تايوان. تدخل حسابات القادة الصينيين المرتبطة بصوابية استعمال القوة ضد تايوان في خانة القرارات السياسية ولن تؤثر عليها تحركات موسكو. كذلك، يدرك المسؤولون الصينيون أن مهاجمة تايوان تؤجّج المخاوف الغربية من نشوء محور استبدادي بين بكين وموسكو وتكثيف التعاون بينهما، ما يزيد احتمال حصول تدخّل مباشر من جانب الأميركيين وحلفائهم.

يراقب شي جين بينغ وقيادة جيش التحرير الشعبي أحداث أوكرانيا عن قرب بحثاً عن دروسٍ مفيدة يمكن تطبيقها على أي صراع محتمل مع تايوان. لن تكون المشاكل التي تواجهها روسيا كافية لثني الصين عن فرض سيطرتها على تايوان. من وجهة نظر بكين، تُعتبر الحرب الروسية في أوكرانيا مجرّد لمحة واقعية عن التكاليف التي ستتكبدها الصين إذا لجأت إلى الحرب. من المتوقع أن يحلل القادة الصينيون إخفاقات روسيا ويعدّلون خططهم منعاً لارتكاب الأخطاء نفسها.

يجب أن تقوم تايوان والولايات المتحدة بالمثل، فتراقبان كل مرحلة من الحرب في أوكرانيا من وجهة نظر المسؤولين الصينيين. قد يتمكن الطرفان بهذه الطريقة من تحديد الوقائع أو الأنماط التي تردع الصينيين حتى الآن وتأمين القدرات التي تسمح لتايوان بردع أي هجوم. يخطئ من يفترض أن التحركات الروسية تؤثر مباشرةً على قرارات بكين، لكنّ تحديد الأدلة التي تقنع الصين بأن قرار بوتين بمهاجمة أوكرانيا كان إخفاقاً استراتيجياً كبيراً قد يساعد الخبراء الاستراتيجيين الأميركيين والتايوانيين على منع الصين من إطلاق هجوم كارثي ضد تايوان.

بما أن الصين تنوي الاستفادة من الحرب الروسية في أوكرانيا لتحسين تخطيطها للصراع المرتقب، يجب أن تحذو تايوان حذوها. تتعدد المؤشرات الواعدة اليوم. بعد نجاحات أوكرانيا الأولية ضد روسيا، نزل عدد كبير من التايوانيين إلى الشارع للاحتفال، ويقول الناشطون والمحللون إن قدرة أوكرانيا على صدّ عدو متفوّق عسكرياً أقنعت التايوانيين بقدرتهم على القيام بالمثل. أنشأ وزير الدفاع التايواني مجموعة عمل لدراسة التكتيكات الأوكرانية واقترح إطالة مدة الخدمة العسكرية الإلزامية، وتحظى هذه الخطوة راهناً بتأييد معظم المشاركين في استطلاعات الرأي. كذلك، زاد الاهتمام بتعلّم الإسعافات الأولية وخطط الاستجابة للكوارث.

لكن لن تكون هذه الخطوة كافية. بل يجب أن تتبنى تايوان استراتيجية دفاعية غير متماثلة في أسرع وقت، وتُركّز على اكتساب القدرات التي تستخدمها أوكرانيا اليوم، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي المحمولة، والطائرات المسيّرة، والصواريخ المضادة للدبابات. كذلك، يُفترض أن تُكثّف تايوان إنتاج الصواريخ المضادة للسفن، وتجعل أنظمة التحكم والقيادة لامركزية، وتُطوّر أنظمة لتقوية وحدات الجيش الأصغر حجماً لتحليل الظروف المتبدّلة ميدانياً والتكيّف معها سريعاً.

على صعيد آخر، يجب أن تنشئ تايوان قوة احتياطية مدرّبة وأكثر جهوزية، وتجمع قوات دفاعية برية جديدة، وتضع خطة متوسّعة لتعبئة المجتمع ككل. كانت قدرة الأوكرانيين العاديين على تحمّل القصف وحمل السلاح إثباتاً على ما يستطيع التايوانيون فعله للتصدي للهجوم الصيني. إذا هاجمت الصين تايوان فعلاً، ستحاول على الأرجح أن تحكم 24 مليون نسمة إلى أجل غير مُسمّى، ومن واجب الشعب التايواني أن يمنع حصول ذلك.

يجب أن تعالج تايوان أيضاً نقطة ضعف أخرى، فهي تجد صعوبة في إعادة تزويد شعبها وجيشها بالإمدادات خلال الصراعات. أوكرانيا تَحِدّ دولاً منتسبة إلى حلف الناتو، وهذا ما سمح بدخول الأسلحة والإمدادات الإنسانية إلى البلد بعد الغزو الروسي، لكن يصعب تزويد تايوان بما تحتاج إليه إذا تعرّضت للغزو أو الحصار. حتى أن تأمين السلع الأساسية، مثل المواد الغذائية والأدوية، لن يكون سهلاً لأن السفن والطائرات التجارية لن تجازف بحياة طاقمها لمتابعة تسليم السلع.

بما أن الصين لاحظت اتكال أوكرانيا على الإمدادات الغربية رغم احتدام الحرب، من المنطقي أن تعطي الأولوية لعزل تايوان في أسرع وقت خلال أي صراع محتمل. لهذا السبب، يجب أن تستبق تايوان الوضع وتستعد منذ الآن عبر تخزين احتياطيات من الذخائر والنفط والمواد الغذائية وسلع أساسية أخرى، وتوزّع هذه الإمدادات في أنحاء الجزيرة. باختصار، يجب أن تشمل تايوان كل ما تحتاج إليه لمحاربة جيش التحرير الشعبي خلال فترة متواصلة وتؤمّن الطعام للشعب وتحافظ على صحته لحشد المقاومة اللازمة عند اندلاع الصراع.

يجب أن تُحدد الولايات المتحدة بدورها القواعد التي تسمح لها بردع أي هجوم ضد تايوان والرد على العدوان الصيني. لا يمكنها أن تتكل مثلاً على التهديد بالعقوبات بكل بساطة لتغيير حسابات شي جين بينغ. حذرت الولايات المتحدة بوتين علناً من العواقب الاقتصادية الهائلة التي تنتظره إذا هاجم أوكرانيا، لكنه أقدم على غزوها في مطلق الأحوال. ونظراً إلى أهمية الصين في الاقتصاد العالمي، سيكون فرض عقوبات كبرى عليها أكثر صعوبة بكثير.

كذلك، يجب أن تُنسّق الولايات المتحدة حزمة العقوبات مع حلفائها وشركائها في زمن السلم وتستكشف أفضل الطرق لتخفيف اتكالها الاقتصادي على الصين. تبقى مصادر الطاقة الروسية أكبر نقطة ضعف في العقوبات المفروضة على موسكو، نظراً إلى اتكال أوروبا على إمدادات النفط والغاز الروسية. لهذا السبب، يجب أن تبذل الولايات المتحدة الجهود اللازمة لتأمين مصادر بديلة عن مواد أساسية، مثل المعادن الأرضية النادرة، لأن معظم العالم يتكل على الصين لتأمينها.

لكن بعد أحداث أوكرانيا، قد تستنتج الصين أن الولايات المتحدة لن تبدي استعدادها للتدخل عسكرياً نيابةً عن تايوان. لهذا السبب، يجب أن تطرح واشنطن سياسة واضحة استراتيجياً للتأكيد على نيّتها الدفاع عن تايوان مباشرةً. يُفترض أن تتعاون الولايات المتحدة أيضاً مع تايوان وتطلق برنامجاً تدريبياً ثنائياً مكثفاً لزيادة قدرة الجزيرة على الدفاع عن نفسها، حتى أنها قد تستفيد من مساعدة تايوان على تطوير استراتيجية دفاعية غير متماثلة وإعطاء الأولوية لإيصال الأسلحة إلى الجزيرة.

أثبتت الاستخبارات الأميركية جدارتها خلال الأزمة الأوكرانية حين كشفت تحركات بوتين المرتقبة قبل أن يُقدِم عليها وتقاسمت هذه المعلومات مع حلفاء واشنطن، فعجز بوتين بذلك عن إحداث مفاجأة استراتيجية وتوحّد التحالف الغربي لفرض عقوبات صارمة وتقديم الدعم العسكري اللازم. يجب أن تستعد الولايات المتحدة إذاً لجمع المعلومات الاستخبارية حول الخطط الصينية وتتقاسمها مسبقاً مع الآخرين. ويُفترض أن تتحرك فوراً لفهم المؤشرات الأولية التي تتعلق بتحضيرات جيش التحرير الشعبي لمهاجمة تايوان، وتستعد لتقاسم هذه الأدلة مع شركائها للتخطيط لرد مشترك قبل بدء الحرب.

نظراً إلى توسّع الاصطفاف بين روسيا والصين، لا تستطيع الولايات المتحدة أن تستبعد احتمال وصول مساعدات روسية كبرى إلى الصين خلال صراعها مع تايوان، بما في ذلك الأسلحة، ومصادر الطاقة، والمواد الغذائية، والمعلومات الاستخبارية. كذلك، يجب أن تتوقع الولايات المتحدة أن تُلهيها روسيا لمنعها من محاربة الصين عبر إطلاق هجمات سيبرانية أو محاولة زعزعة استقرار أوروبا. أعادت الصين وروسيا التأكيد على قوة الدعم المشترك بينهما لحماية مصالحهما الأساسية، في بيان مشترك بتاريخ 4 شباط، حيث أكّد البلدان على صداقتهما "غير المحدودة"، واعتبرت روسيا تايوان جزءاً لا يتجزأ من الصين. تتوقع بكين إذاً أن تتلقى الدعم نفسه خلال صراعها مع تايوان بعد دعمها المتواصل لروسيا على مر الحرب في أوكرانيا.

باختصار، يجب أن تتخذ واشنطن وتايبيه الخطوات اللازمة لتعزيز نظام الردع بحذر، ما يعني الامتناع عن تأجيج الصراع عن غير قصد. في المقام الأول، يجب أن يحصل أي تنسيق مكثّف مع تايوان بعيداً عن الأضواء. كذلك، يُفترض أن تُركّز الولايات المتحدة وتايوان على زيادة قدرة تايبيه على خوض الحرب. في الوقت نفسه، يجب أن تؤكد واشنطن للصين، في أوساطها الخاصة، على تماشي هذه الخطوات مع سياسة "الصين الواحدة" التي يتبناها الأميركيون واعتبارها رداً على تصدّع ميزان القوى في مضيق تايوان نتيجة الحشد العسكري الصيني هناك. وفي الأوساط العامة، يُفترض أن تشدد الولايات المتحدة على عدم دعمها لاستقلال الجزيرة واهتمامها بالحفاظ على الوضع الراهن في مضيق تايوان.

في النهاية، تقدّم الحرب المستمرة في أوكرانيا دروساً مهمة للصين وتايوان والولايات المتحدة. يبدو أن الطرف الأكثر براعة في التكيّف مع المستجدات هو من سيُحدّد فاعلية نظام الردع أو احتمال اندلاع صراع قد يغيّر وجه العالم.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.