نيكولاس فيلاسكيز

كازاخستان تخرج من المحور الروسي في ظل استمرار حرب أوكرانيا

20 تموز 2022

المصدر: Geopolitical Monitor.com

02 : 00

الرئيس الروسي بوتين مع نظيره الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف | ١٠ شباط ٢٠٢٢
بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، تجرّأ رئيس كازاخستان، قاسم جومارت توكاييف، أخيراً على الخروج من ظل سلفه، في محاولةٍ منه لإطلاق مسار جديد. تحاول كازاخستان، التي كانت تخضع للنفوذ الروسي تاريخياً، أن تطبّق سياسة خارجية مستقلة بحثاً عن فرص مفيدة بمعزل عما يفضّله الكرملين.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كانت جهود توكاييف التي تصبّ في هذه الخانة تفرض عليه استرضاء روسيا عبر استشارة موسكو في الشؤون الأمنية الخاصة بأوراسيا. لكن أزعجت حرب روسيا الكارثية في أوكرانيا صانعي القرار في كازاخستان وأساءت إلى العلاقات الثنائية بين موسكو ونور سلطان. برأي توكاييف وحكومته، لم تعد سياسة الكرملين الخارجية المتغطرسة مقبولة بأي شكل.

وصل توكاييف إلى رئاسة كازاخستان في آذار 2019، بعد سنتَين من الاحتجاجات التي دفعت رئيس كازاخستان الأول والوحيد قبل توكاييف، نور سلطان نزارباييف، إلى إنهاء عهده القائم منذ عقود. لكن احتفظ نزارباييف بمناصب أساسية مثل رئاسة مجلس الأمن الكازاخستاني، أي الهيئة التي تنسّق بين سياسات الأمن القومي والدفاع محلياً.

أجبر نزارباييف خَلَفه توكاييف على تحمّل نظام تقاسم السلطة حيث يُخضِع رئيس مجلس الأمن رئيس البلاد ويحرمه من استقلاليته على مستوى السياسة الخارجية.

لكن يبدو أن نظام السلطة المزدوجة في كازاخستان انتهى في وقتٍ سابق من هذه السنة، تزامناً مع نشوء اضطرابات غير مسبوقة ضد حكومة توكاييف الذي أزاح نزارباييف بالكامل عبر الاستيلاء على رئاسة مجلس الأمن الكازاخستاني. كذلك، صدمت روسيا العالم في 5 كانون الثاني، حين دخل جنودها إلى كازاخستان كجزءٍ من جهود "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" لتجديد استقرار نظام توكاييف المحاصر وحمايته من محاولة انقلاب من تنظيم عناصر موالية لنزارباييف في حكومة كازاخستان. وبعدما رسّخ توكاييف سلطته، سارع إلى انتقاد نزارباييف بطريقة غير مألوفة واعتقل عدداً من حلفاء الرئيس السابق.

غادرت قوات "منظمة معاهدة الأمن الجماعي" كازاخستان في 19 كانون الثاني، بعد فرض الأمن في عدد من المباني الحكومية وسحق التظاهرات المعادية لتوكاييف. ظن المحللون في البداية أن تدخّل المنظمة بقيادة موسكو يهدف إلى تجديد نفوذ الكرملين في آسيا الوسطى. لكن أدى غزو بوتين لأوكرانيا، بعد مرور سنة ونصف، إلى تدهور العلاقات الروسية الكازاخستانية بدرجة غير مسبوقة، فقد اختار توكاييف تغيير نهج سلفه ورفض إضفاء الشرعية على العدوان الروسي في أوكرانيا.

لم ينتج القرار الروسي بدعم حكومة توكاييف في كانون الثاني 2022 أي منافع. يتابع توكاييف الاستخفاف بتدخّل "منظمة معاهدة الأمن الجماعي"، فيحاول بذلك إبعاد نفسه عن الدور الروسي في حماية الحكومة الكازاخستانية. حين بدأ الغزو الروسي يتباطأ في أوكرانيا، كانت كازاخستان أول دولة ترفض علناً إرسال الجنود للمشاركة في "العملية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا من بين أعضاء "منظمة معاهدة الأمن الجماعي". كذلك، أعلن وزير خارجية كازاخستان، مختار تيلوبردي، في 5 نيسان، أن بلده لن يعترف بجمهوريتَي "دونيتسك" و"لوهانسك" كدولتَين مستقلتَين.

يعتبر المحللون الروس تردد توكاييف في الالتزام بنهج الكرملين في أوكرانيا بمثابة "خيانة"، وقد طرح عدد من الشخصيات الروسية العامة رأياً عدائياً حول العلاقات بين روسيا وكازاخستان. ردّ النائب الروسي، كونستانتين زاتولين، على رفض توكاييف العلني الاعتراف بالأقاليم الانفصالية المدعومة من روسيا قائلاً: "نحن نقول الأمر نفسه في كل مكان، بما في ذلك أوكرانيا: إذا كانت مظاهر الصداقة والتعاون والشراكة موجودة، لن تظهر أي خلافات حول الأراضي. لكن إذا لم تكن تلك المظاهر موجودة، فكل شيء ممكن، كما حصل في أوكرانيا". يشعر توكاييف وأعضاء حكومته بالانزعاج على الأرجح من المواقف التي تشبه تصريحات زاتولين وتُهدد كازاخستان بالصراعات والاضطرابات إذا ابتعدت عن خط الكرملين. وبسبب هذه المقاربة بالذات، يحاول توكاييف تعميق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي والصين لإعادة توجيه السياسة الخارجية الكازاخستانية وإبعادها عن الديناميات السامة التي تطبع العلاقات بين روسيا وكازاخستان.

بالإضافة إلى الفرص الاقتصادية مع الصين، يسعى توكاييف إلى توثيق التعاون الأمني مع بكين. تعطي الصين أهمية كبرى لكازاخستان في "مبادرة الحزام والطريق"، لذا أنشأت ركيزة فاعلة لتعميق التعاون الأمني مع كازاخستان عبر تدريبات عسكرية ثنائية واستثمارات متنوعة في قدرات المراقبة الخاصة بالحكومة الكازاخستانية. أعلن توكاييف ووزير الدفاع الصيني، وي فانغ، أن البلدين ينويان توسيع تعاونهما العسكري، خلال اجتماع في 25 نيسان.

وفي ذلك الاجتماع أيضاً، توقّع توكاييف أن تشهد العلاقات الثنائية بين البلدين تطورات وإنجازات أخرى، وعبّر عن تقديره الكبير لفرص تعميق التعاون العسكري بين الطرفين. لا شك في أن الدعوات الثنائية من نور سلطان وبكين لتوسيع التعاون العسكري تزعزع العلاقات الروسية الكازاخستانية، لكنها تؤثر على العلاقات الروسية الصينية أيضاً. إذا أصبحت الصين ضامنة الأمن الطاغية في آسيا الوسطى بدل روسيا، لا مفر من تراجع موسكو سريعاً وتحوّل هيمنتها على المساحات السوفياتية السابقة إلى ذكرى غابرة.

يحاول توكاييف تقديم فرص جديدة لأوروبا لتطوير العلاقات الأوروبية الكازاخستانية. فيما تتخبّط أوروبا بسبب أزمة الطاقة بعد الغزو الروسي لأوكرانيا، عرض توكاييف زيادة إنتاج الطاقة الكازاخستانية، في 4 تموز، "لتجديد استقرار العالم والأسواق الأوروبية". قد يكون عرض توكاييف عائقاً أمام الجهود الروسية الرامية لإخضاع الدول الأوروبية عبر إمدادات الطاقة الروسية. بعد يومَين على ذلك العرض، أغلقت محكمة روسية محطة نفطية تابعة لاتحاد خطوط أنابيب بحر قزوين مؤقتاً في "نوفوروسيسك"، روسيا. هذا الاتحاد هو عبارة عن خط أنابيب نفط روسي كازاخستاني يوفّر حوالى 1% من تجارة النفط العالمية ويمرّ به ثلثا صادرات النفط الكازاخستانية. عادت المحكمة الروسية وغيّرت قرارها في المرحلة اللاحقة، لكن كانت تلك الحادثة تهدف على الأرجح إلى تصعيد التوتر في العلاقات بين البلدين.

يتسارع ابتعاد كازاخستان عن موسكو في هذه المرحلة، لكنه قرار طال انتظاره. قبل إخراج نزارباييف من الحكومة الكازاخستانية في 5 كانون الثاني، طبّق توكاييف تدريجاً سياسات مُصمّمة لفصل كازاخستان عن موسكو، فقرر في العام 2021 نقل كازاخستان من الأبجدية السيريلية إلى الأحرف اللاتينية. كان قرار توكاييف بدعم اللغة الكازاخستانية بدل الروسية جزءاً محتملاً من طموحاته بالابتعاد عن نطاق النفوذ الروسي وقطع الروابط الثقافية بين البلدين. أكد توكاييف على اختلافه عن نزارباييف أيضاً حين ألغى احتفالات "يوم النصر" في كازاخستان، في العام 2022، في إشارة واضحة إلى إلغاء التقاليد السوفياتية.



قاسم جومارت توكاييف




قد تصل حملة توكاييف لفصل بلده عن موسكو إلى نهاية كارثية، لأن أقلية روسية واسعة تقيم في شمال كازاخستان وقد تطرح روسيا العدائية تحديات أمنية مريعة. لكن من الواضح أن توكاييف شخصياً هو الذي يتحكم بسياسته الخارجية اليوم ولم يعد نزارباييف يُوجّهها. بعد تسوية الانقسامات الداخلية وتراجع الهيبة الروسية بدرجة غير مسبوقة، قد تحصل كازاخستان في هذه المرحلة من تاريخها على أفضل فرصة لتغيير مسارها بكل أمان، فيما تنشغل روسيا بغزو أوكرانيا.

أثار رد كازاخستان على الغزو الروسي لأوكرانيا حفيظة موسكو على مستويات عدة. لقد ضعفت سيطرة روسيا على أكبر دولة في آسيا الوسطى بعد إصرار توكاييف على البحث عن فرص جديدة في مجال السياسة الخارجية، بعيداً عن توجهات روسيا، وبعد رفض حكومته تشريع غزو الكرملين لأوكرانيا. لم تتّضح بعد فرص نجاح توكاييف في الانفصال عن روسيا في المرحلة المقبلة. لكن تثبت المواقف الراهنة أنه لن يكون زعيماً تستطيع موسكو الاتكال عليه.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.