بوني لين

الصين أصبحت في وضع الهجوم

6 آب 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

الرئيس الصيني شي جين بينغ يلقي كلمة في بواو | الصين، نيسان 2022
بعد بدء الغزو الروسي لأوكرانيا مباشرةً، أصبحت بكين في موقف ضعيف. خلال الأسابيع التي تلت عبور القوات الروسية للحدود الأوكرانية، بدت مواقف الصين متكلفة ومبهمة. حتى أن الدبلوماسيين الصينيين، ومنظّمي الحملات الدعائية الصينية، والمتحدثين باسم وزارة الخارجية، حاولوا فهم موقف الرئيس الصيني من الصراع. باختصار، تأثّرت سمعة البلد سلباً بسبب شراكة شي جين بينغ "غير المحدودة" مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين. لكن بعد مرور ستة أشهر على اندلاع الحرب وفي ظل غياب أي نهاية وشيكة للصراع، استرجعت بكين توازنها بشكل عام. لم تتحقق بعد مخاوفها الأولية من زيادة الإنفاق الدفاعي الأوروبي الإجمالي بسبب الحرب. تفضّل الصين أن تنتهي الحرب بانتصار روسي واضح، لكن يقضي خيار آخر باستنزاف المعدات العسكرية الأميركية والأوروبية التي تدعم أوكرانيا. في الوقت نفسه، يجازف ارتفاع كلفة الطاقة والتضخم المتصاعد بإضعاف رغبة الحكومات الأوروبية في متابعة فرض العقوبات، ما يثبت لبكين أن الوحدة العابرة للأطلسي قد تنهار في أي لحظة.

تدهورت النظرة التي يحملها الرأي العام في الديمقراطيات المتقدمة تجاه الصين بكل وضوح، لكن لا تزال بكين تلقى تجاوباً واسعاً في أنحاء "الجنوب العالمي" بفضل مساعداتها التنموية ورسائلها الدبلوماسية.

في غضون ذلك، استنتجت بكين أن بيئتها الخارجية تزداد خطورة بغض النظر عن نتيجة الحرب. يلاحظ المحللون الصينيون شرخاً متزايداً بين الديمقراطيات الغربية ومختلف البلدان غير الديمقراطية، بما في ذلك الصين وروسيا. تشعر الصين بالقلق من أن تستغل الولايات المتحدة هذا الانقسام المتوسّع لبناء تحالفات اقتصادية أو تكنولوجية أو أمنية بهدف احتوائها. من وجهة نظر الصينيين، تؤجّج واشنطن وتايبيه الاضطرابات في المنطقة عمداً عبر ربط الهجوم على أوكرانيا بسلامة تايوان وأمنها مباشرةً. تخشى الصين أيضاً أن يعيق الدعم الدولي المتزايد لتايوان خطط "إعادة التوحيد".

هذه الأفكار المرتبطة بالتدخل الغربي وضعت بكين مجدداً في وضع الهجوم. من المتوقع أن تتحدد معالم السياسة الخارجية الصينية خلال المرحلة المقبلة عبر إطلاق مواقف أكثر عدائية لتحقيق مصالح البلد، واستكشاف مسارات جديدة لاكتساب نفوذ عالمي والتحايل على نقاط الاختناق التي يسيطر عليها الغرب.

تحرص الصين على تشكيل كتل حصرية من الدول التي تدعمها أو تمتنع عن دعم الولايات المتحدة على الأقل. تحاول بكين في المقام الأول تقوية مجموعة "بريكس" (البرازيل، روسيا، الهند، الصين، جنوب أفريقيا) وتوسيعها، باعتبارها كتلة بديلة من الدول النامية لمنافسة التحالف الرباعي ومجموعة السبع ومجموعة العشرين. في شهر أيار، عقد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، اجتماعاً بين وزراء خارجية دول "بريكس"، وقد شمل هذا اللقاء تسعة ضيوف، منهم المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي الشهر اللاحق، أيّد شي جين بينغ توسيع نطاق المجموعة واقترح مبادرات جديدة لتكثيف التعاون في الاقتصاد الرقمي، والتجارة، والاستثمار، وسلاسل الإمدادات. كذلك، دعا الرئيس الصيني 13 زعيماً عالمياً للمشاركة في حوار رفيع المستوى حول التنمية العالمية مع دول "بريكس"، بما في ذلك الرئيس الإيراني، إبراهيم رئيسي، ورئيس وزراء كمبوديا، هون صن. وبعد فترة قصيرة، قدّمت الأرجنتين وإيران طلباً رسمياً للانضمام إلى مجموعة "بريكس"، وعبّرت مصر والسعودية وتركيا عن اهتمامها بالانتساب إليها أيضاً. وفي شهر تموز، ذهبت موسكو إلى حد اقتراح "عملة احتياطية عالمية جديدة بين أعضاء المجموعة لتسهيل تحقيق مصالحهم الاقتصادية".

بالإضافة إلى توسيع مجموعة "بريكس"، تحاول بكين أيضاً تحويل "منظمة شنغهاي للتعاون"، التي تشمل روسيا، إلى كتلة قوية تستطيع إقامة علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية عميقة. لطالما ضغطت الصين لتكثيف التعاون الاقتصادي في هذه المنظمة، واقترحت إبرام اتفاق تجاري حر وإنشاء بنك تابع "لمنظمة شنغهاي للتعاون". انهارت هذه الأفكار في السنة الماضية، لكن ناقشت المنظمة في شهر أيار من هذه السنة ضرورة تكثيف التفاعلات بين الدول الأعضاء، لا سيما في مسائل الأمن الدولي والتعاون الاقتصادي. وفي ظل زيادة الأعضاء الرسميين في "منظمة شنغهاي للتعاون" ومساعي ضمّ إيران في وقتٍ لاحق من هذه السنة ثم بيلاروسيا على الأرجح مستقبلاً، من المتوقع أن تصبح المنظمة أكثر قوة على الساحة العالمية. في شهر حزيران الماضي، اقترحت طهران أن تتبنى "منظمة شنغهاي للتعاون" عملة موحدة، وعبّرت عن أملها بتحويل هذه المجموعة إلى "اتحاد من القوى العظمى غير الغربية".

داخل هاتين الكتلتين وفي منتديات أخرى، تزداد أهمية مراقبة قدرة الصين وروسيا وإيران على تعميق العلاقات في ما بينها وتشكيل اصطفاف متوسّع بين البلدان المستاءة من القيادة الأميركية. كذلك، سيكون نطاق الضغط الذي تستعمله الصين في علاقاتها الوثيقة مع باكستان والسعودية لكسب الدعم في البلدان المسلمة، بما في ذلك منظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، عاملاً مؤثراً آخر على حجم الدعم الذي تحظى به الصين في الدول النامية.

يتعلق عنصر أخير في مراجعة السياسة الخارجية الصينية بالقوة العسكرية. تظن بكين أن الغرب يعجز عن فهم المخاوف الأمنية الروسية التي تعتبرها مشروعة. لكن لا شيء يدفع الصين إلى توقّع معاملة مختلفة مع المخاوف الصينية من جانب الولايات المتحدة وحلفائها. ونظراً إلى فشل المساعي الدبلوماسية، قد تضطر الصين لاستعمال القوة لإثبات صرامتها.

ينطبق هذا الوضع على تايوان، لذا تشعر بكين الآن بقلق متزايد من النوايا الأميركية تجاه الجزيرة والتحركات التي تعتبرها استفزازات متزايدة. نتيجةً لذلك، بدأ نقاش بين بعض محللي السياسة الخارجية الصينية حول احتمال نشوء أزمة وشيكة أخرى في مضيق تايوان وكيفية استعداد الصين لهذه الأحداث. أعلن يانغ جيشي، دبلوماسي في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، أن الصين ستتخذ "خطوات صارمة"، بما في ذلك استعمال الجيش، لحماية مصالحها. في الوقت نفسه، شارك جيش التحرير الشعبي في تدريبات إضافية بالقرب من تايوان، في محاولة منه لمنع تدخّل طرف ثالث في الصراع. تفسّر هذه التطورات على الأرجح السبب الذي دفع بكين إلى إطلاق تحذيرات لاذعة وغير مألوفة من احتمال حضور رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان. توقّع المسؤولون الصينيون أن تترافق هذه الرحلة مع تداعيات سلبية حادة على الأسس السياسية للعلاقات الصينية الأميركية.

يخطئ من يتجاهل تحذيرات الصين من إطلاق تحركات عسكرية لمجرّد أنها امتنعت عن تنفيذ تهديداتها السابقة. يبقى احتمال غزو تايوان مستبعداً، لكن تملك بكين مسارات عدة لتصعيد الصراع المباشر، بما في ذلك إرسال طائرات للتحليق فوق الأراضي التايوانية. وإذا اتخذت بكين خطوات جذرية أخرى كردة فعل على التحركات الأميركية الأخيرة، يسهل أن تندلع أزمة شاملة.

هل ستنجح مساعي الصين الأخيرة لتغيير ميزان القوى لمصلحتها إذاً؟ لم تتضح بعد فرصة نجاح "مبادرة الأمن العالمي" لتغيير النظام الدولي، أو تحوّلها إلى ركيزة أساسية لطريقة تعامل الصين مع الحوكمة العالمية. حاولت الصين سابقاً تحريك النقاش حول الأمن العالمي وفشلت، وتكررت التجربة نفسها مع "مفهوم الأمن الجديد" (إطار عمل أمني يهدف إلى توسيع التفاعلات الاقتصادية والدبلوماسية التي طُرِحت للمرة الأولى في العام 1996). كان النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي الصيني حينها أقل مستوى بكثير. في مطلق الأحوال، تبقى "مبادرة الأمن العالمي"، بغض النظر عن نجاحها في نهاية المطاف، منفذاً مهماً لمساعدة بكين على إطلاق محادثات حول الأمن الإقليمي والعالمي بعد المؤتمر العشرين للحزب الحاكم في الخريف المقبل.

على صعيد آخر، تكثر العوامل التي تعيق الجهود الصينية الرامية إلى توسيع وإعادة إحياء المنظمات القائمة، مثل مجموعة "بريكس" و"منظمة شنغهاي للتعاون". الهند منتسبة مثلاً إلى هاتين الكتلتين معاً وقد تكبح أي جهود معادية للولايات المتحدة علناً. لكن حتى أبسط تحسّن في قدرات هذه المجموعات وتماسكها قد يساعد بكين على كبح أي تحركات قسرية أو عقوبات قد يفرضها الأميركيون وحلفاؤهم على الصين في السنوات المقبلة.

لكن قد يتعلق أهم عامل يؤثر على البيئة الصينية الاستراتيجية في المرحلة المقبلة ببكين نفسها. على الورق، يمكن توقّع الخطوط العريضة للعبة الصينية المُعدّلة: تعميق الروابط مع "الجنوب العالمي"، وتغيير أهداف المؤسسات التي تقودها بكين مثل "منظمة شنغهاي للتعاون"، وظهور مفاهيم أمنية جديدة تتماشى مع رؤيتها الخاصة عن النظام الدولي. قد تزيد هذه الاستراتيجية تعقيدات السياسة الخارجية الأميركية في حال تطبيقها بالشكل المناسب. لكن تتطلب هذه الجهود كلها فترة من الزمن، وقد تنهار إذا أنتجت تصرفات بكين العدائية والقسرية ضد جيرانها حملة دولية مضادة أو إذا زاد تردد الدول في التعاون مع الصين. لقد تبيّن أن نزعة شي جين بينغ إلى تحقيق أهدافه الخاصة وتوسيع نفوذه هي أكبر عائق أمام استراتيجية الصين الكبرى. حتى أن تعطّشه للسلطة قد يدمّر السياسة الخارجية الصينية في نهاية المطاف.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.