عاود سعر ربطة خبز الفقراء ارتفاعه، لم يبقَ شيء رخيصاً في هذا البلد، حتى الرغيف يتقاسمونه مع الفقر، شرط ألا يمسّ جيبة زعماء البلد. كالصاعقة هبط الخبر على الناس، ترافق مع سؤال "شو بعد فيه ما غلي"؟ فالأسعار تشهد فورة غير مسبوقة، ارتفاع جنوني أصاب كلّ شيء، لم يعد باستطاعة الفقير اللحاق به، ولسان حاله "قديش غلي السكر والرزّ"؟ فالغلاء طاول كلّ شيء، والأسعار تختلف بين ساعة وأخرى، من دون عذر مسبق، ناهيك عن جشع التجّار بحيث تتفاوت الأسعار بين محل وآخر بين الـ1500 والـ2500 ليرة، على عين وزارة اقتصاد، فعلها غائب وغضّ بصرها عمّا يجري حاضر.
لم يعد المواطن قادراً على تأمين ربطة خبز والأوضاع إزدادت صعوبة، مع كلّ طلعة شمس تزداد الأسعار 1000 و2000 وثلاثة، فالإرتفاع بات خبز الناس اليومي، حتى الخبز طاله هذا الارتفاع والحقّ "عالدولار"، وحجّة الدولة جاهزة لتبرير فرمانات رفع الاسعار، مستغلّة "تطنيش" المواطن عمّا آلت اليه أحواله وإعتياده على الغلاء الفاحش.
يقول المثل: إن لم تستحِ إفعل ما شئت، وهذا ما تمارسه الحكومة بوجه الناس. تبكي يسرى من واقع الحال، تعمل بمعاش 300 ألف ليرة في إحدى المؤسسات، مبلغ لا يكفيها ثمن دواء لزوجها المريض، تحاول أن تلملم دموعها وهي تسأل "كيف بدنا نعيش"؟ السيدة الاربعينية تجد صعوبة في تأمين ثمن ربطة الخبز، وتعجز عن دفع ثمن أدوية زوجها وأدويتها الخاصة بالقلب، تسأل "شو بدي بيع لعيش، وصّلتونا نفكّر نبيع أعضاءنا، شو بدكن بعد"؟، بحرقة تقول: "عايشين بالدَين، لا نملك فلساً واحداً، شو بتعمل الـ300 ألف في هذه الظروف الصعبة"؟! تأكل الزعتر الناشف من دون زيت بات صعباً عليها شراؤه: "من وين بدي جيب؟ لا مساعدات ولا دعم ولا من يسأل، حتى الضمان غير متوفر".
توغّل الفقر داخل منازل قرى النبطية، وبدأت صرخات المياومين تعلو، بالكاد يحصلون على 750 ألف ليرة لا تكفي يوماً واحداً، والأنكى أنه يتمّ خصم يوميتهم في ما لو أصيبوا بـ"كورونا". يبكي فؤاد بحرقة، الأب لثلاثة اولاد يعمل باليومية في إحدى الادارات، أصيب بالوباء واضطرّ للحجر 14 يوماً، وقد خُصمت من معاشه الصغير، وفوق كل ذلك لم يستفد من مساعدة الدولة. فأولاده في الثانوية، ومستثنون من المساعدات. يقول بحرقة: "بالرغم من قساوة الظروف فالثانوية الرسمية تتطلب كثيراً، تارة لجنة أهل طلاب ليسوا في المدرسة، وطوراً رسم تأمين وغيره، ونحن في الحجر، وفوق كل ذلك حرمونا من الـ400 ألف، لماذا؟
ينتفض عباس المصاب بـ"كورونا" منذ 10 ايام على الجميع، "ما حدا سائل اذا عايزين شي"، يرفع الصوت عالياً، فالبلديات غائبة بمعظمها لا تقدّم أي معونة للمصاب، تتركه يواجه الوباء بمصاعبه ومخاوفه وحيداً، وعليه تحمّل كلّ تبعات الوباء إذ لا يكفيه غلاء الادوية المفترض توفرها في المنزل الا وعليه أن يتحمّل خسارته الاقتصادية".
تتفاقم معاناة الناس وتستفحل الأزمة المعيشية أكثر، والانفجار يبدو وشيكاً، فالمواطن إختنق، وبات من الصعب عليه تأمين أبسط المتطلّبات الحياتية، فالسكر المدعوم سرقوه، كل المدعوم اختفى وبقي الصراع محتدماً بين مواطن معتّر وتاجر يتلاعب بالأسعار، والدولة في خبر كان.