توماس إديسون... سيرة إستثنائيّة

10 دقائق للقراءة

لطالما سَمِع توماس ألفا إديسون من أسنانه! كان مخترع الفونوغراف أصمّ بالكامل في واحدة من أذنيه وبالكاد كان يسمع بالثانية نتيجة خلل غامض أصابه في طفولته. لسماع نغمة دقيقة تنبثق من مشغّل موسيقي أو بيانو، كان يمضغ الخشب ويمتص الموجات الصوتية داخل جمجمته. انطلاقاً من هناك، كانت الموجات تمرّ بقوقعة الأذن وتصل إلى العصب السمعي الذي ينقل اللحن إلى دماغه العبقري. تميزت مقاربة إديسون لاستيعاب الموسيقى بآثار جانبية مثيرة للفضول ولم تقتصر على علامات العض الواضحة على أجهزة الفونوغراف التي اخترعها. لم يكن يسمع شيئاً في أعلى الترددات ولا يتحمل الاهتزاز الصوتي، واعتبر موسيقى موزار إهانة للألحان.

لكن كانت أذنه الداخلية حساسة لدرجة أنها أبهرت مهندسي الصوت كونها تجيد رصد أدق الشوائب في تسجيلاتهم، على غرار أي نشاز في عزف الناي وسط آلات النفخ الخشبية.يتوقف رأي الناس بإديسون (1847 – 1931) على نزعتهم التبجيلية أو التشكيكية: يمكن اعتباره إذاً عبقرياً أو لصاً، بطل الرأسمالية الأميركية أو وحشاً جشعاً، أعظم تقني في التاريخ أو شخصاً مشهوراً ضمن فئةٍ يشتدّ فيها التنافس بين رجال أميركيين بيض كسبوا تقديراً لا يستحقونه. في محاولة جديدة لفهم هذه الشخصية المتقلبة، يظهر إديسون بصورة عملاق ذات أبعاد كثيرة في كتاب Edison لكاتب السِيَر إدموند موريس الذي عمل على استكشاف شخصيته طوال سبع سنوات وتوفي في شهر أيار الماضي.

وفق وصف موريس المفصّل، يبدو إديسون شخصاً يسعى وراء المال منذ مرحلة صباه في الغرب الأوسط، لكن من دون أن يهتم بمظاهر الغنى. لقد بنى أول استوديو لإنتاج الأفلام في العالم مع أنه لم يكن يهتم كثيراً بالأفلام كوسيلة ترفيهية. وكان يتباهى ببراعته في مجال العلاقات العامة، لكنه يرفض في معظم الأوقات الدعوات والاحتفالات التي تجبره على مغادرة مختبره.

كان مدمناً على العمل وشملت سيرته الذاتية النهائية 1093 براءة اختراع وابتكارات لا تُعَدّ ولا تُحصى، منها مصباح الإضاءة المتوهج، والفونوغراف، والبطارية القلوية، والفلوروسكوب بالأشعة السينية، والميكروفون بِزِرّ الكربون. لكنّ أهم فكرة اخترعها لم تكن قابلة للتسجيل أو اللمس.لا يرتكز كتاب موريس على سيرة مُعدّلة، لكنه يدحض خرافات كثيرة انتشرت عن إرث إديسون في السنوات الأخيرة. على غرار عدد كبير من الأشخاص الذين يدخلون في خانة "العباقرة"، من أمثال أينشتاين وبيكاسو وجوبز، يُعتبر إديسون أحياناً قيمة فكرية تشتق من طفولته الغريبة.

فقد تنقل بين مدارس في أوهايو وميشيغن، وخيّب آمال المعلمين في أولى سنواته الدراسية. لكنه نجح، تحت رعاية والدته، في تعلّم القراءة بثبات ونَهَم. في عمر الثالثة عشرة، أنشأ إديسون شركة فردية لبيع الفاكهة والبقالة والصحف وبلغت أرباحه 50$ أسبوعياً، أي ما يساوي راتباً سنوياً بقيمة 80 ألف دولار اليوم. استعمل معظم هذا المبلغ لشراء معدات لتجاربه الكهربائية والكيماوية. بالكاد كان إديسون في سن البلوغ حين اكتسب مهارة مزدوجة كفيلة بجعله مشهوراً على مستوى العالم: موهبة طبيعية لاكتساب المال، وهوس فطري بالاختراع.

أما الخرافة الثانية التي نفاها موريس، فتعلقت باعتبار إديسون مجرد شخص مشهور استفاد من اختراعات الآخرين، ما يعني أنه رجل أعمال لم يخترع شيئاً بنفسه. تتكل معظم الاختراعات على الإنجازات السابقة: بدءاً من المحرك البخاري وصولاً إلى جهاز "آي فون"، لطالما اشتق أي تقدم مهم من تعديلات وتطورات متلاحقة. عملياً، يستحيل أن يبتكر أحد اختراعاً جديداً بالكامل. لكن هذا ما فعله إديسون على ما يبدو!

في صباح باكر من العام 1877، كان إديسون يلعب بجهاز على شكل كوب يتألف أسفله من معدن رفيع، ثم بثّ ذبذبات حين صرخ فيه. ففكر أنه يستطيع تسجيل ذبذبات كلماته على سطح ناعم إذا ربط إبرة بالأسفل المعدني. بنى مساعده جهازاً أسطوانياً صغيراً لتدوير لفافة من الورق المشمع تحت طرف الإبرة. أنشد إديسون أغنية Mary Had a Little Lamb في فتحة الجهاز، فحفرت الإبرة ذبذبات صوته على الورق المشمع وحصل على قصيدة مُسجّلة وقابلة للتعقب. كتب مساعده تشارلز باتشيلور: "عند شدّ الورقة للمرة الثانية، مرّت الذبذبات مجدداً بالإبرة وخرجت من الفتحة، فأدركنا أننا سجّلنا الكلام".

على حد علمنا، كانت أول مرة يسمع فيها أي إنسان صوتاً مُسجّلاً في التاريخ.

بعد سنوات على اختراع الفونوغراف، صنع إديسون هاتفاً يتفوق على الأجهزة التي ابتكرها المخترعان ألكسندر بيل وإيليشا غراي، فدخل في منافسة رسمية معهما. بعد سنة، ارتفعت مكانته بفضل مصباح الإضاءة المتوهج الذي اخترعه. لقد توصّل إلى هذه الاختراعات كلها بحلول عمر الثالثة والثلاثين، مع أنه لم يكن يتمتع بأي خبرة سابقة في الصوتيات أو التهاتف أو تكنولوجيا الإضاءة.صحيح أن موريس يفي إنجازات إديسون حقها، لكنه يدحض خرافة ثالثة متعلقة بعبقريته الفردية، ويُلمِح في الوقت نفسه إلى نيكولا تيسلا، موظف إديسون الذي أصبح لاحقاً منافسه، غداة اكتسابه مكانة مهمة في حقبة الإنترنت. بعدما وظّف إديسون تيسلا في مصنعه للتوليد الكهربائي في نيويورك، في العام 1884، غادر المهندس الصربي الشاب لتحقيق أحلامه الخاصة في مجال الكهرباء.

هكذا بدأت المنافسة بينهما للسيطرة على اختراعات ذلك العصر. صحيح أن إديسون كان أول رجل يضيء حياً كاملاً بالضوء الكهربائي، لكنه اتكل بذلك على تقنية التيار المباشر، وكان تشغيلها ضمن مسافات طويلة مكلفاً. في المقابل، كان تيسلا عرّاب التيار المتردد الذي يستعمل حقلاً مغناطيسياً دواراً لتشغيل الكهرباء بفعالية إضافية في أي منطقة واسعــــــة. في نهاية هذه المنافسة التي شكّلت محور فيلم جديد بعنوان Current War (حرب التيار الكهربائي)، رَبِح إديسون معركة مصابيح الإضاءة، بينما فازت تقنية تيسلا بالحرب. لكن تكشف المقارنة بينهما جانباً أعمق عن طبيعة الاختراع بحد ذاته. توفي تيسلا وحيداً في العام 1943 بعدما أصبح على حافة الجنون، ويُستعمل مصيره هذا أحياناً كإثبات على حقيقة عبقريته. لكنّ تجميل وحدة تيسلا عند موته يعني الإشادة ضمناً بالعامل الذي أعاق مساره، أي إصراره على البقاء وحيداً.

من المعروف أن نزعة الابتكار تزدهر في الظروف الصعبة، لكنّ إديسون، وليس تيسلا، هو من أدرك أن العبقرية تتماشى مع الرفقة أيضاً. أصبحت طبيعة العلم المبنية على التعاون واضحة قبل فترة طويلة من تلاعب إديسون بأداة موسيقية. حين كتب إسحاق نيوتن، "إذا كانت رؤيتي أبعد من الآخرين، فذلك لأني أقف على أكتاف العمالقة"، اعترف بذلك بأن الاختراع رياضة جماعية، حتى لو كان فريق نيوتن مؤلفاً في معظمه من مجموعة أموات. قام إديسون البارع في تحسين المفاهيم القائمة بتعديل تلك الفكرة على نحو مفيد، فقال: "إذا كانت الأشباح رفيقة جيدة، لنتخيل إذاً منافع الأحياء"!داخل مستودع من طابقَين بناه إديسون في "مينلو بارك" في العام 1876، أشرف على مصنع اختراعات مع فريق من الخبراء الاحترافيين الذين نفذوا خططه وجعلوه أشهر مخترع في العالم. ما كان إديسون مثلاً ليشتهر باختراع المصباح لولا لودفيغ بوم، نافخ زجاج بافاري، أو يده اليمنى باتشيلور الذي فحّم الورق اللامع داخل مصباح يشبه شكل الإجاصة.

منذ الثمانينات، تراجع عدد كبير من قياسات الاختراع بشكلٍ غامض. افترض بعض الباحثين أن أكبر التحديات المطروحة اليوم في مجال العلم والتكنولوجيا، على غرار تصميم الذكاء الاصطناعي الذي يستطيع تقليد الفكر البشري، تبدو أكثر صعوبة من مشاكل القرن التاسع عشر على مستوى إنتاج الصوت والضوء. لكن ربما أغفلنا أيضاً عن أهم اختراع لإديسون: مصنع اختراعات متعدد الاختصاصات.في تقرير صدر في العام 2019، كشف خبراء اقتصاديون في جامعتَي "ديوك" و"إيست أنغليا" في بريطانيا أن عدداً من أهم مختبرات البحث والتطوير، مثل شركتَي "مينلو بارك" و"بيل لابز"، تراجع في العقود الأخيرة، تزامناً مع هبوط معدلات الإنتاجية. لا يزال البحث والتطوير مستمرَين، لكن انفصل هذان المفهومان عن بعضهما في آخر 40 سنة: تتركز الأبحاث الأساسية في الجامعات، بينما تتولى الشركات الكبرى تطوير المنتجات. اليوم، من الأصعب أن نجد فِرَق عمل مثل فريق إديسون، حيث كان العلماء والمفكرون يتعاونون عن قرب مع الميكانيكيين والكهربائيين ومصلحي الأجهزة الآخرين.

في ما يخص السيرة التي يقدمها موريس، تسير الأحداث بطريقة عكسية، ما يعني أن توماس إديسون يموت في المقدمة، ومع اقتراب النهاية، يقرأ صبي صغير اسمه ألفا كتاباً عن الكهرباء وتنتابه رغبة في الاختراع.على مر فصول الكتاب، يبدو إديسون شخصاً نابضاً بالحياة. صحيح أن موريس لا يُشدد على هذه الفكرة، لكنّ مزايا إديسون مجتمعةً تجعل منه رمزاً إيجابياً ونموذجاً مصغراً لبداية قرن جديد. في العام 1880، كانت مانهاتن تفتقر إلى قطارات الأنفاق والسيارات وشبكة الكهرباء، وكانت الكنائس أطول المباني فيها. لكن بحلول العام 1915، باتت نيويورك تشمل نظام قطارات الأنفاق، وآلاف السيارات، و"الطريق الأبيض العظيم" (في إشارة إلى اللافتات الكهربائية الجديدة في برودواي)، وأطول ناطحات سحاب في العالم بفضل مشاريع البناء التي تستعمل الفولاذ. شهدت تلك الحقبة نفسها اختراع الطائرة ومكيّف الهواء وخط التجميع. فيما تُقابَل الصحافة التقنية اليوم بالسخرية والتشكيك، ولو عن وجه حق في معظم الأحيان، اتّسم عصر إديسون بتفاؤل مفرط، فظن الأفراد أنهم يستطيعون إعادة صقل العالم المادي بالكامل، وهذا ما فعلوه.

كانت نظرة إديسون ثاقبة بشأن عالمنا أيضاً. قبل أن يُصمّم مصباحاً فاعلاً، كان قد تصوّر مدينة سلكية تضجّ بالمصاعد الكهربائية، وآلات الخياطة، وأي ابتكارات ميكانيكية أخرى. وبعدما أدرك تكاليف الكهرباء على مستوى البيئة، اقترح على شركات الطاقة أن تستعمل قوى طبيعية مثل أشعة الشمس والرياح والمد والجزر. كان ليصبح على الأرجح قطباً إعلامياً لامعاً. وقبل ظهور الهاتف النقال (جهاز يجمع بين صور متحركة وأصوات مُسجّلة مباشرةً)، شجّع الرئيس ويليام هوارد تافت على خوض حملة إعادة انتخابه عبر تسجيل خطاباته كي يشاهدها الناس على الشاشات، فتوقع بذلك مستقبل عالم الترفيه والديمقراطية في آن.

في حياة مفعمة بأفكار مُسجّلة أو غير مُحققة، أعطى إديسون لكل من يحاول فضح زيفه المواد التي يريدها حين أصر على قول ما يلي: "لم تخطر على بالي أي فكرة طوال حياتي. مخيلتي معدومة. لا أحلم مطلقاً. اختراعاتي المزعومة موجودة أصلاً في البيئة، وأنا استخرجتُها بكل بساطة. لم أخترع شيئاً بنفسي. لا أحد يخترع شيئاً. لا وجود لفكرة ينتجها الدماغ. كل شيء يأتي من الخارج. الشخص المجتهد يستخرج أفكاره من بيئته". يمكن تفسير هذا الكلام بطرقٍ متعددة: قد يكون تصريحاً استفزازياً ومبالغاً فيه، أو وصفاً صادقاً لآليات الإبداع، أو إشادة بإدمان المخترعين على العمل. لكن يؤكد هذا التصريح الغامض على أكبر تناقض لدى إديسون. كان الرجل الذي اخترع مختبر البحث والتطوير المبني على العمل الجماعي معتاداً على التحدث عن عمله بصيغة المتكلم، فيقول مثلاً "اختراعاتي المزعومة" ويصف نفسه بالشخص "المجتهد". يُفترض أن تكون حياة إديسون درساً متواصلاً عن قوة العمل الجماعي الإبداعي.

لكن أصبحت شهرته على أرض الواقع رمزاً للعبقرية الفردية التي تحمل طابعاً بطولياً أو إشادة مبالغاً فيها. يحترم إديسون عمله طبعاً. لكن وفق وصف موريس، قد يكون "المجتهد" مُحرّكاً مدهشاً، لكنّ الإبداع الحقيقي يزدهر بفضل عدد كبير من المجتهدين.