بعد الاجتماع التحضيري لدعم الجيش اللبناني في باريس، يستعد للمشاركة في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، في محطة تتيح له إعادة طرح أولوياته ومطالبه على الساحة الدولية، واستثمار الزخم الدبلوماسي في دعم مسار استعادة الدولة لدورها.
بين مؤتمر باريس اليوم وقبة البرلمان أمس، ترتسم صورة لبنان بين مشروعين متناقضين: الأول يسعى إلى استنهاض الدولة عبر دعم الجيش وتعزيز حضورها دوليًا، والثاني يحاول إعادة عقارب الساعة إلى زمن كانت فيه "الممانعة" تملي شروطها وتفرض إيقاعها على الدولة ومؤسساتها.
من ساحة النجمة إلى قصر العدل، ومن الجنوب إلى أروقة واشنطن وباريس، توزّعت الملفات بين السياسة والقضاء والدبلوماسية، لكنها تقاطعت جميعها عند معركة واحدة: استعادة الدولة قرارها، وبسط سلطتها.
تتقاطع الاستحقاقات الداخلية مع العواصم الدولية، وتتداخل الأحداث السياسية بالدبلوماسية والأمنية من بيروت إلى باريس وواشنطن ونيويورك.
بعد 44 عامًا على استشهاده، لا يزال بشير الجميّل المعيار الذي تُختبر به قدرة الدولة على أن تكون دولة فعلا. المعادلة المصيرية واضحة: إما "جمهورية البشير" اللبنانية، وإما "جمهورية خامنئي" الإيرانية.
ما بعد علي الطاهر لن يكون كما قبله. على الجانب الإسرائيلي، حقق رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إنجازًا ميدانيًا يمنحه جرعة انتخابية مهمة وشهية مفتوحة لاستمرار العمليات العسكرية. أما على جبهة "الممانعة"، فمُني "حزب الله" بضربة معنوية وعسكرية ودعائية قوية، تُضاف إلى سلسلة الهزائم التي يتلقاها منذ حربَي الإسناد، حتى إن زمن "ادعاءات النصر" قد ولّى.
لقد آن أوان عودة الدولة إلى الجنوب كاملة، لا بالتقسيط، وآن أوان أن تفهم ميليشيا «حزب الله» أنه ما عاد مرغوبًا بوجودها داخل الأحياء السكنية بعدما لفظها الأهالي، وأن الدولة لا تستعيد سيادتها في ظل سلاح غير شرعي قضى على الحجر والبشر.
بعد سقوط تلّة علي الطاهر بيد الجيش الإسرائيلي، إثر رفض "حزب الله" تسليمها إلى الجيش اللبناني، تقف النبطية اليوم أمام اختبار مصيري لا يحتمل تكرار السيناريو نفسه، ولا سيما بعدما وفّر "الحزب"، مرة جديدة، الذرائع لإسرائيل لتوسيع نطاق عملياتها إلى خارج "المنطقة الأمنية".
الميليشيا التي لطالما اتهمت الآخرين بتضييع «حقوق لبنان» هي نفسها التي تضيّع فرصة تثبيت الهدوء، وتعيد الجنوب إلى دائرة النار، وتمنح إسرائيل الذريعة تلو الأخرى لتوسيع ضرباتها.
من الجنوب إلى الحدود اللبنانية - السورية، تتعدد الأزمات وساحاتها، لكن خيوطها تلتقي عند "الممانعة" وحلفائها، مصدر الشرور، التي أنهكت لبنان وشرّعت أبوابه أمام السلاح والفوضى وصراعات الآخرين.
قال مسؤول أميركي لـ "نداء الوطن" "لا ولم يكن هناك أي تأخير في ما يتعلّق باجتماعات روما. ثمة الكثير من الأخبار الزائفة التي تحيط بهذه الجولة من المفاوضات، حيث تحاول أطراف سيئة النوايا خلق أجواء سلبية؛ لذا ينبغي عدم تصديق هذه المعلومات المغلوطة."
أشار مصدر رسمي لـ"نداء الوطن" إلى أن ما يحصل في الجنوب خطير، وأن لا أحد يستطيع وقف تقدّم الآلة العسكرية الإسرائيلية. ووصف الوضع بأنه يندرج في إطار "التصعيد المتدرّج"، حيث اتخذت إسرائيل القرار الكبير بإسقاط تلّة "علي الطاهر"، وتعمد إلى قضم محيطها، فيما لا تتوقف العمليات العسكرية منذ 24 ساعة.
أفادت معلومات "نداء الوطن" بأن المساعي التي يقودها رئيس الجمهورية جوزاف عون، بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي دخل بدوره على خط ملف علي الطاهر، لإقناع "الحزب" بالانسحاب من التلة وتسليمها إلى الجيش اللبناني، لم تُفضِ حتى الساعة إلى أي نتيجة.
ليست الزيارة الإماراتية إلى بيروت مجرد حراك اقتصادي عابر، ولا مجرد توقيع مذكرات تفاهم... ما جرى يحمل دلالة أوسع: الإمارات تعود إلى لبنان بثقة المستثمر، وبمشروع شراكة. وفي ذلك رسالة بالغة الأهمية: لبنان لم يُشطب من حسابات الخليج، لكن عودته إلى دائرة الاهتمام مشروطة بعودته أولا إلى منطق الدولة والاستقرار والإصلاح.
في يوم واحد، وعلى جبهتين مختلفتين، تلقت إيران ضربتين في مكمن نفوذها: واشنطن تفتح الهجوم الاقتصادي على طهران لضرب شرايين اقتصادها وتجفيف مصادر تمويلها، وبيروت تضرب الشريان السياسي والدبلوماسي لهذا النفوذ داخل الدولة اللبنانية عبر تثبيت قرارها بحق المواطن الإيراني محمد رضا شيباني.