نوال نصر

حملة "قبل أن تغرق المدينة" لم تُلغِ حفلة صيدا

إعترض الأئمّة... نجح المنظّمون

18 آب 2022

02 : 00

صيدا ثالث أكبر المدن اللبنانية بعد بيروت وطرابلس، ومثلها مثل كل لبنان هي قلقة تعيسة حزينة وتبحث بالسراج والفتيلة عن بعض الفرح. والموسيقى فرح. الموسيقى تعبّر عما لا يمكنك قوله ولا تستطيع السكوت عنه. الفن عموماً يمسح عن الروح غبار الحياة اليومية. فهل يجوز منع الفن والموسيقى تحت أي حجة؟ هل صحيح أنها تفسد الشعب؟ أليست الفنون علاجاً لكثير من الآفات؟ فلنذهب الى صيدا حيث قوبلت إقامة حفل فني برفضٍ من بعض شيوخ الجوامع والأئمة تحت حجة: قبل أن تغرق المدينة!

من الآخر، بيعت في يومين، منذ انطلق بعض الأئمة بالمناداة بمنع إحياء حفلٍ موسيقي، أكثر من 4000 بطاقة دخول إليه. فماذا يعني ذلك؟ معناه أن الناس متعطشة الى الفرح وأن الإحتفالات تساوي كل هؤلاء الذين يجري في دمائهم الفن وهم لا يشعرون.



الشيخ عبد الكريم علوه


مساء العشرين من آب هذا سيقام الحفل في مدينة صيدا الجميلة. فهل معنى ذلك أن صيدا عصت الأوامر وستلبي الدعوة للإحتفال الذي تقيمه WOB event- world of business وسيضم فقرات تمثيلية وغنائية لمشاهير التيك توك واليوتيوبيرز؟ شبابٌ سيشاركون في التقديم وشباب سيحضرون. فهل في ذلك معصية؟ الشيخ خالد عارفي طمأن: بفضل الله تعالى أولاً وبهمة الغيورين وتجاوب المعنيين تمّ إلغاء الحفل- كلنا نحب صيدا #قبل_أن_تغرق_المدينة. لكن على عكس ظنون الشيخ، الحفل لم يلغ والحضور سيكون مضاعفاً مرات ومرات. فماذا في التفاصيل؟



رئيسة المهرجانات نادين كاعين


صور مايا نعمة

الإحتفال سيجرى. عبد الكريم فواز، الشاب اللبناني المميز، الذي نجح من خلال مشاريعه الناشئة وتميز ليس في لبنان وحسب بل في العالم، أصرّ على افتتاح شركته «وورلد أوف آرت» ثم أسس «وورلد أوف بيزنس» ويصرّ على بثّ بعض الفرح مؤكداً أن الفرح ليس عيباً والموسيقى ليست حراماً والفنون ليست معصية. وقال لنا: «نحن لا نريد إلا ثقافة الحياة لا معصية أحد. ونحن وبلدية صيدا متفقون على ذلك غير أن بعض الخطباء إعترضوا بعدما رأوا مايا نعمة في صوَر إلتقطت لها بسروال قصير، منذ عشرة أيام، فتصوروا أن الإحتفال سيُشكّل معصية، مع العلم اننا اتفقنا معها على احترام ثقافة مدينة صيدا وعدم ارتداء ما قد يقال إنه يخدش الحياء العام ووافقت فوراً».




منظم الحفل عبد الكريم فواز



من هي مايا نعمة؟ هي نجمة ستار أكاديمي بنسخته اللبنانية، عمرها 35 عاماً. جريئة؟ نعم، لكن الجرأة، برأي الكثيرين، ليست معصية. تشارك نعمة في مسابقات رياضية وتعلّم الرقص للأطفال. أحبت. تزوجت. طلقت. تغني. ترقص. وتعزف البيانو. وهي ظهرت في السابع من آب هذا بالبيكيني على البحر بالتزامن مع اعلانها عن مشاركتها في الحفل كاتبة: ناطرتكن كلكن يا حلوين. وهو أمرٌ لم يعجب المتديّنين والخطباء فهبوا معترضين تحت عنوان: قبل أن تغرق المدينة.



مصطفى حجازي


كلمات خطباء الجمعة أتت كحدِّ السيف. إمام وخطيب مسجد الفرقان في مدينة صيدا الشيخ عبد الكريم علوه قال في خطبته: «تعلمون أن هذه المدينة ما زالت الوحيدة التي ليس فيها إختلاط بين الرجال والنساء ولا ملاهٍ ليلية ولا تباع فيها الخمور علانية وأهلها لا يرضون بظهور المنكر. إن المخزون الإحتياطي لأي بلد أمران: حسن العلاقة مع الله وحسن الأدب والأخلاق وإذا ذهبا سلموا على المدينة». نسمع الشيخ علوه لكن لا نفهم ماذا قصد بكل ما قال؟ ما علاقة كل ما قال بالحفل المنوي إقامته في الملعب البلدي في صيدا؟ إتصلنا به وسألناه فأجاب: «هذا التوجه هو نتيجة تعميم من دار الفتوى. رأى سماحة المفتي أن البيئة ستكون بخطر ونحن علماء تبنينا ما رأى».

تحييد «أبو طلال»


لكن ماذا عن رأي الشيخ علوه وقناعته الشخصية؟ يجيب «نحن مسلمون، الأحكام الشرعية مرجعيتنا، وأيّ شيء نحكم عليه إذا كان مناسباً أو غير مناسب يكون بالعودة الى حكم الكتاب والسنّة. نحن نعترض على الأمور المرتبطة بإظهار مفاتن النساء التي تغيّر سلوكيات الشباب وتؤثر على حياة الرجال وأسرهم وتخرب بيوتهم. هذا ما نحن ضدّه ولسنا ضدّ أبو طلال (الذي يشارك في الحفل). فليقيموا نشاطات إجتماعية ورياضية».

نعود لنسأل الشيخ علوه عن السبب الأدق في اعتبار الحفل منافياً للحشمة وتوصيفه من البعض بدعارة؟ يجيب: «هناك مشاركات على حسابهن على الإنستغرام صور لا تتخيلون مضمونها. هناك منصة تدعو الى الإباحية وواحدة من المشاركات لديها غرفة «شات» تتقاضى عليها مالاً. ويستطرد قائلاً: «مسألة الموسيقى في الإسلام خلافية، هناك من لا يعترض عليها إذا كانت هادئة وبلا صخب. في كل حال، هناك مبادئ وأعراف يفترض مراعاتها».

الحفل يستمرّ قائما فماذا عن تعليق الشيخ علوه؟ يجيب «لا يهم. الأهم، أو لنقل الإشكالية كانت في جعل الحفل على الواجهة البحرية لكنهم نقلوه وأصبح عند حفافي المدينة، على ابواب الرميله، ولم تعد على واجهتها البحرية». هل نفهم من ذلك أن الحفل لا يعود «مرفوضاً» فيه سفور إذا أقيم بعيداً عن الواجهة؟ يجيب «المعاصي نوعان: واحدة مستترة وأخرى تحصل مجاهرة والإشكالية في الثانية».

قبل أن يختم الشيخ الذي نادى «قبل أن تغرق المدينة» وجّه لنا نصيحة: «هناك موت والربّ سيسألنا عن كل صغيرة وكبيرة وعن كل كلمة ستكتبينها (أنا بالذات) وسيسألك: يا نوال ماذا كتبت عن الحفل في الموضوع؟ فاكتبي ما يجعلك من أهل الجنان يوم القيامة».



الغناء ممنوع في الملعب البلدي




الحق على الـ «ميديا»


فلنتابع. رئيس بلدية صيدا محمد السعودي في إجازة طويلة، تزيد عن الشهر. مصطفى حجازي هو عضو مجلس بلدي ومسؤول عن النشاطات في البلدية يقول «لأسبابٍ لوجستية نقلنا الحفل من مكان الى مكان آخر لكن ما حدث أن «الميديا» تحب أن تأخذ بعض المواضيع الى أبعاد أخرى».

كلام عضو بلدية صيدا يثير بدوره بعض الإستغراب. فالميديا تضيء ولا تثير الغرائز. في كل حال نتابع شرحه: «منذ العام 2010 حتى اليوم في 2022 تسمعون عن نشاطات هناك من يعترضون عليها لكننا لم نعمل على إيقاف أي نشاط». ويستطرد: «في إحدى المرات، في 2013، تمّ التهديد بالقصف إذا أقيم حفل غنائي. أقمناه ولم يحصل أي شيء. والغريب اليوم أن هناك من ربطوه مع محاضرة تقام في البلدية الأسبوع المقبل، إستناداً الى طلب من وزير الداخلية وجهه الى البلديات، حول الشذوذ الجنسي. لا علاقة لهذا الحفل بتلك المحاضرة. نحن نسعى الى الإضاءة على المعالم الثقافية وتعزيز الأنشطة الرياضية والثقافية والإجتماعية على اختلاف أنواعها والحفل سيقام في العشرين من آب. ورأينا ان المكان الذي نقل إليه سيكون أكثر أمانا ومنظمو الحفل أخذوا كل الإجراءات لذلك».

رئيسة لجنة مهرجانات صيدا نادين كاعين واجهت بدورها في 2016 «ممانعة» من هذا النوع تحت عنوان: صيدا لن ترقص. ويومها كتب المعترضون على عريضة: صيدا المسلمة مدينة الكرامة والجهاد لن تقبل بمهزلة الحفلات الغنائية التي تخفي الفساد. فهل ما نشهده اليوم في 2022 هو نفسه ما حصل في صيدا في 2016 مع فارق أن حفل اليوم من تنظيم فرد لا لجنة؟ تجيب كاعين: «في العام 2016 تعرضنا الى نفس الحملة لكننا، في الآخر، أثبتنا أن مهرجاناتنا تليق بالمدينة والمجتمع وبالثقافة والرقي والإحترام، كما أثبت الناس أنهم يريدون المهرجانات والفرح، وقد اقمنا أربعة مهرجانات قبل الثورة وكورونا. وكل فاعليات المدينة دعمونا. وهذه السنة العائق الوحيد هو مادي. لكننا نعمل وكأن المهرجانات حاصلة. تضيف: صيدا لم تكن يوما متقوقعة على نفسها وهي مدينة سياحية لكن ما ينقصها هو الفنادق وبيوت الضيافة».

تستغرب رئيسة لجنة مهرجانات صيدا «أن يُمنع الشباب من إرتياد حفل ما لأسبابٍ تعدّ، برأي البعض، لاأخلاقية» وتقول «شباب اليوم أصبح لديهم access على كل شيء. الأهم من كل ذلك هو تربيتهم على الأخلاق».

إنتهينا. الإحتفال سيُقام يوم السبت في العشرين من آب. صيدا، أول مدينة أسسها الفينيقيون، تنشد اليوم بعض الفرح وستغني.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.