رفيق خوري

الواقع وحلم دولة "أرقى من الطوائف"

3 دقائق للقراءة

في عهد الرئيس فؤاد شهاب كان لدى مجموعة نخبوية من كل الطوائف حلم قاد اليه واقع جديد ضمن واقع قديم. الجديد هو التزام الرئيس الذي كان مؤسس الجيش وقائده الإنتقال من "إستقلال الدولة" الى "دولة الإستقلال" والبدء ببناء مؤسسات الدولة لتكون دولة المؤسسات إسماً على مسمى. والقديم هو تجذّر الطائفية في المجتمع، بحيث كان من الصعب تحقيق المطالبة بإلغاء الطائفية السياسية في النظام، والأصعب هو الدعوات الى نظام علماني وحتى الى دولة مدنية. أما الحلم المتواضع، فإنه بناء "دولة أرقى من الطوائف". أولاً من خلال تحديث الإدارة وفصلها عن سيطرة السياسيين. وثانياً عبر تمثيل الطوائف في رئاسات الجمهورية والمجلس النيابي والحكومة كما في الوزارات والإدارات والقضاء بأرقى ما لدى الطوائف. وثالثاً بممارسة الحكم وإتخاذ القرارات في ضوء المصلحة الوطنية العليا وخدمة الدولة والمواطن، لا مصلحة أية طائفة وحدها، ولا حتى مصالح الطوائف في المحاصصة.

لكن الحلم لم يكتمل، ولا عاش طويلاً. فالأحداث والمحاولة الإنقلابية في النصف الثاني من العهد الشهابي قادت الى المزيد من تحكّم الإستخبارات العسكرية ومسايرة فريق من أمراء الطوائف لضمان الولاء. وحراس الطائفية خاضوا معركة قاسية للحفاظ على القديم وربحوا. كان الخاسر بالطبع لبنان الذي دفع ولا يزال الثمن الباهظ للتردي السياسي والفشل في مواجهة الأخطار على الوطن. لا فقط أخطار الحرب التي تشابكت فيها الصراعات على الصلاحيات الداخلية والصراعات الإقليمية والدولية على النفوذ في المنطقة، بل أيضاً أخطار السياسات الخاطئة والوصايات القاسية على البلد بعد توقف الحرب. وهي أخطار أكبر حتى من تحوّل حلم دولة أرقى من الطوائف الى كابوس دولة شكلية متخلفة عن أدبيات الطوائف التي تبدو أرقى منها. دولة فراغ في المؤسسات ليست دولة بمقدار ما هي سلطة ضعيفة يديرها طائفيون أقوياء يهيمن عليهم صاحب "فائض القوة" الذي يعمل لمشروع بتجاوز لبنان.

وها نحن أسرى العجز المنهجي عن وقف الإنتقال مما بقي من "دولة الإستقلال" الى "محور الممانعة" بقيادة إيران. وأسرى البحث الشكلي عن رئيس لجمهورية جمهورها مسروق، إقتصادها منهار، موظفوها مضروبون، قضاتها معتكفون، سياسيوها مستمرون في حروبهم الصغيرة التافهة، والذين يريدون وراثتها ليسوا جاهزين بعد. شيء من تنافس على من يختاره "حزب الله". وشيء من مباراة في المواصفات المطلوبة في الرئيس، من دون الإقدام على تجسيد المواصفات في أشخاص.

لكن الواضح ضمن الغموض هو التحضير والإستعداد سلفاً للفراغ الذي يلائم كثيرين، ولو كان قاتلاً للبلد والناس. الفراغ المملوء بفراغ خارج الشرعية الدستورية في إنتظار الظروف لإخراج الدمى الأصغر في لعبة "الماتروشكا" الروسية. وأقصى ما نأمل فيه هو ما ينطبق عليه قول المؤرخ الروماني تاسيتوس: "أفضل يوم بعد إمبراطور سيئ هو اليوم الأول".