رفيق خوري

مئوية وأربعينية و"محدودية القوة"

3 دقائق للقراءة

لا مهرب من القراءة في مشهدين معبّرين على مسرح واحد. مشهد الإحتفال عام 2020 بمئوية لبنان الكبير الذي أعلن الجنرال غورو ولادته عام 1920 أمام رجال الدين والدنيا في شرفة قصر الصنوبر، بعد سقوط السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى واحتلال فرنسا دمشق والتخلي عن متصرفية الجبل. ومشهد الإحتفال عام 2022 بأربعين ربيعاً على ولادة "المقاومة الإسلامية" عام 1982 على أيدي الحرس الثوري الإيراني بمباركة الإمام الخميني خلال الإحتلال الإسرائيلي للبنان. الأول بدا، وسط الأزمات الثقيلة على لبنان، كأنه مجرد إحتفال رمزي بماضٍ صار عليه أن يمضي. والثاني أراد "حزب الله" تذكيرنا بأنه رمز لمستقبل متّصل بالماضي والحاضر.

ذلك أن "المقاومة الإسلامية" التي أخرجت الإحتلال الإسرائيلي من لبنان تتصرف على أساس أن دورها يتجاوز المقاومة الدائمة لإسرائيل إلى صناعة التاريخ في المنطقة. والظاهر أن المطلوب أن يصبح من التاريخ ليس لبنان الكبير بل لبنان الصغير الذي خسر دوره بعدما "هيمن" طويلاً على لبنان الكبير. فالدنيا تغيّرت. موازين القوى في لبنان والمنطقة تبدلت. والترابط بين الديموغرافيا والإيديولوجيا والسلاح هو القوة الصاعدة.

والترجمة العملية لذلك تظهر على الأرض ضمن مسار على مراحل. شيء يعيد التذكير بنظرية "القلب والأطراف ولكن في نسخة متطورة. وشيء يوحي أن الجمهورية التي صارت رئاستها مشكلة هي مجرّد مرحلة إنتقالية الى "الدولة العادلة القوية" كاسم آخر لدولة دينية. فمنذ ولادة لبنان الكبير وأهل الأطراف يشكون من إهمالهم وتحكّم جبل لبنان بهم ويحاولون تغيير الصورة. وهذا ما كان ضمن أسباب داخلية وخارجية أدّت الى حروب لبنان. إتفاق الطائف حقّق تسوية تضمّنت حلاً جزئياً خرّبته الممارسة السياسية والوصاية الخارجية. واليوم تقول "المقاومة الإسلامية" إن ساعة الحلّ الجذري دقّت: الأطراف هي القلب، ومستقبل البلد لها وفي يدها ضمن الإيمان بأن مستقبل المنطقة لولاية الفقيه.

لكنّ الحسابات ليست دقيقة. لا في قراءة تاريخ لبنان، ولا في قراءة تاريخ المنطقة ومستقبلها. ولا في مفهوم القوة. فما اصطدمت به روسيا في غزو أوكرانيا، كما اصطدمت به أميركا في غزو أفغانستان والعراق، وما اصطدمت به إسرائيل في غزواتها، هو "محدودية القوة العسكرية" بصرف النظر عن ضخامة القوة حسب الخبير الإستراتيجي لورنس فريدمان. ومهما تكن قوة إيران و"حزب الله"، فإنها في النهاية "محدودة" وتصطدم بحدود القوة.

والكل يعرف أو يجب أن يعرف أن لبنان الكبير من دون روح لبنان الصغير هو مجرد مساحة جغرافية في عالم عربي وإسلامي واسع. ولبنان الصغير من دون هوية لبنان الكبير يفقد "الرسالة" التي هي العيش المشترك بالمعنى السياسي لا البيولوجي.

يقول كونفوشيوس: "الحكمة هي أن تميّز بين ما تعرفه وما تجهله". وما أحوجنا الى الواقعية مع الحكمة.