عيسى مخلوف

حفلة تهريج مُروِّعة

4 دقائق للقراءة
إستعراض صُوَر سجن أبو غريب

لم يهدأ السجال الذي أثارته أعمال الفنّان الفرنسي جان جاك ليبيل في "بينالي الفنّ المعاصر" في دورته الأخيرة في مدينة برلين. لقد لجأ هذا الفنّان إلى تكبير الصُّوَر التي التقطها جنود أميركيّون في سجن "أبو غريب" أثناء عمليّة تعذيب واغتصاب حوَّلها الجلّادون إلى حفلة تهريج مُروِّعة. لقد استُعملت هذه الصور في تجهيز فنّي أَطلق عليه الفنّان الفرنسي العنوان التالي: "سمّ قابل للذوبان". وهذا ما أثار غضب ثلاثة فنّانين عراقيين مشاركين في هذه التظاهرة الفنّيّة، ودفعهم إلى الانسحاب منها الأسبوع الماضي. كانت حجّتهم أنّ "البينالي اتّخذ قراراً بتسليع صور أجساد عراقيّين سُجنوا بشكل غير قانوني وعوملوا بوحشيّة في ظلّ الاحتلال، وعُرضت صورهم من دون موافقة الضحايا ومن دون مساهمة الفنّانين العراقيين المشاركين في البينالي، وكذلك من دون معرفة الزوار العراقيين الذين تعرّضوا للصدمة مرّة أخرى بسبب الاستمرار في عرض هذا التجهيز الفنّي القاسي إحدى أبشع الجرائم".

في الواقع، عُرضَ هذا العمل مرّات عدّة حول العالم، بدءاً من العام 2004، ودافعَ عنه صاحبه بالقول إنّه رأى، ذات يوم، "صوراً على الإنترنت لعملية التعذيب الدنيئة التي جرت في سجن "أبو غريب" في العراق، وطالعني ما لا سابق له: أوّلاً، نساء يتسلّينَ ويستمتعنَ بتعذيب الرجال، وثانياً، هواتف محمولة تتداول صوراً لم تخضع للرقابة. انطلاقاً من هذه الصور التي طبَعتُها مجدّداً، بنيتُ متاهة تنقل لزوّار المعرض مشاعر الرعب والقلق التي عاشها المساجين في ذلك السجن".

الفنان الفرنسي يُبعد عن نفسه تهمة المتاجرة بصور الرعب هذه. وهو معروف بمواقفه من مآسٍ وحروب كثيرة منها الحرب الجزائريّة. لكنّ السؤال المطروح هنا وفي كلّ مكان، منذ ردح من الزمن، يتمحور حول علاقة الفنّ بالواقع وحول معنى التنديد بالوحشيّة من خلال الفنّ. إنه، باختصار، السؤال حول الفنّ الملتزم والأدب الملتزم بالذات.

مع التجربة التي خاضها الفنّان الفرنسي مارسيل دوشان، في النصف الأوّل من القرن العشرين، دخل الفنّ في حفلة تنظير لا سابق لها، ولا تزال انعكاساتها حاضرة حتّى اليوم. لقد أصبحت الفكرة التي تؤدّي إلى العمل الفنّي نقطة مركزيّة، الغرض منها، في الغالب، الإثارة والاستفزاز ونقض المفاهيم الفنية التي سادت ألوف السنين. من جانب آخر، وفي "الإبداع" الملتزم، كان الأدب والفنّ، في القسم الأكبر منهما، أقرب إلى الخطاب السياسي. هكذا يبرّر الفنّان جان جاك ليبيل توجّهه الفني العامّ من خلال مشاركته التي أرادها "مشاركة تريد أن تكون مختبراً بحثياً حقيقياً يسمح برؤية صور الحرب والنزاعات، الإذلال والموت. إنّها مكان للتجارب، وللبحث عن حلول مرتبطة بالتحدّيات الكبرى التي تواجه حضارتنا، من أجل الخروج من العالم الجهنّمي الغارق في الشرّ والدمار". في السياق نفسه، عرض الفنّان الفرنسي، منذ سنوات، مقاطع من "فيديو" يصوّر "خيولاً أرجنتينية" تخضع للتعذيب بمطارق الحديد مدّعياً أنّ عمله كان مرآة ضرورية لعالمنا!

نحن، هنا، أمام مواجهة الواقع العنيف بأسلوب فنّي يصوِّر العنف، لا بأسلوب خلّاق يرفع عنف الواقع إلى مستويات جماليّة وإنسانيّة عالية، كما حصل مع الفنّان الهولندي هيرونيموس بوش الذي عاش بين القرنين الخامس عشر والسادس عشر، والفنان الإسباني فرانثيسكو غويا (بين القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر)، والفنّان الإنكليزي فرانسيس بيكون، أو مع بيكاسّو، خصوصاً من خلال لوحته "غيرنيكا".

الثورة في الأدب والفنّ تكون في جوهر كلّ منهما وليس في تحويلهما أداة لشيء آخر. هناك من يمتلك فهماً آخر للالتزام، وهذا ما طالعنا، في صورة جليّة، في الأدب الأميركي اللاتيني في القرن العشرين. ولئن انطلق أدباء تلك القارّة من التاريخ واستندوا إلى وعي سياسي، فإنّ أعمالهم الأدبية ليست أعمالاً تاريخيّة سياسيّة على الإطلاق، لأنهم عرفوا كيف يحدّدون العلاقة بين الواقع التاريخي والواقع المتخيَّل، في تداخلهما وتنافرهما. الكاتب الأرجنتيني خوليو كورتاثار يعتبر أنّ الأدب الثوري ليس الأدب الذي يتحدّث عن الثورة، وإنّما الأدب القادر على التجدُّد وعلى إحداث انتفاضات تعبيريّة وجماليّة داخل اللغة. وهذا ما أدركه عدد مهمّ من كتّاب وفنّاني العالم، وأدركوا الفارق بين الإبداع الأدبي والفنّي من جهة، والسياسة من جهة أُخرى، لا سيّما في الدول التي رزحت تحت نير الديكتاتوريّة أو التي تعيش في ظلّ الاحتلال. يكفي أن نذكر، في هذا المجال، تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، كيف بدأت، وفي أيّ اتجاه ذهبت، في مرحلتها الأخيرة.