آدم شمس الدين

50 باصاً من فرنسا مركونة منذ أشهر طويلة

النقل العام المشترك ... تحمّس علي حمية ثم برد!

29 آب 2022

02 : 00

ثقافة التنقل بالسيارة فقط ... خاصية لبنانية بامتياز

«اذا رأيت مسدساً معلقاً على الحائط في الفصل الاول، فينبغي إطلاقه في الفصل الثالث».

تستند مقولة المسرحي الروسي انطون تشيخوف على توقع حدث ما قبل حصوله. في المسرحية اللبنانية القائمة منذ الانهيار، يمكن تعميم هذه المقولة على كافة الاحداث التي سبق وحصلت والتي ستحصل قريبا.

حين تشكّل اول طابور أمام محطات الوقود كان الفصل الاول الذي افتتح مشهد رفع الدعم التدريجي عن البنزين. واليوم بتنا على مقربة من الفصل الثالث بتحرير السعر كاملاً. ومع اقتراب الفصل الثالث سيطلق المسدس كما كان متوقعاً. وهذه المرة على أرجلنا جميعاً بالاضافة الى خزانات الوقود في سياراتنا.

فبعد ثلاث سنوات على الازمة، وثلاثة عقود على تدمير آخر معالم أي نقل عام مشترك ولائق، يبدو أن ارجلنا هي البديل الوحيد المتوافر أمام ما ينتظرنا من الايام.

"الشي التاني"

في حزيران 2021 صرح وزير الطاقة آنذاك ريمون غجر أن من لا يتمكن من تحمل كلفة صفيحة البنزين بسعر 200 الف ليرة عليه الاعتماد على «شي تاني». مر عام على هذا التصريح العبقري، وبتحرير سعر صفيحة البنزين كاملا ودولرتها، واذا ما اعتمدنا على سعر صرف تقريبي، ستصل كلفة الصفيحة الى 719 الف ليرة. و»الشي التاني» ليس متوفراً حتى هذه اللحظة.



علي حمية



باصات غير مسجلة في النافعة

بعد 3 اعوام على بداية الفصل الاول من الانهيار، تمخضت الدولة اللبنانية جبلاً في قطاع النقل فولد 50 باصاً كهبة من الدولة الفرنسية لكي تكون عمود خطة النقل العام للبنان، أو المبادرة الوحيدة التي توافرت حتى هذه اللحظة. الباصات التي اعلن عن وصولها باحتفال شبه رسمي قبل 4 أشهر، لم تسجل حتى هذه اللحظة في النافعة بحسب وزير الاشغال العامة والنقل علي حمية. يعزو حمية الى التأخر في تسجيل الباصات الى الروتين الاداري، اضافة الى توقف الادارات الرسمية عن العمل نتيجة الاضراب. يقول حمية لنداء الوطن أن «المشكلة في عدم وضع الباصات قيد العمل حتى هذه اللحظة لا تكمن فقط في التأخر بتسجيلها فحسب، بل أيضا نتيجة عدم تقدم اي متعهد بعرض لتشغيل هذه الباصات في آخر فض للعروض الذي انتهى في 16 آب». حمية لم ييأس وبحسب تعبيره «بدي مشيهن يعني بدي مشيهن، وبعد فض العروض الاخيرة، لجأنا الى تدريب موظفى مصلحة سكك الحديد لقيادة الباصات في حال لم يتقدم اي عارض آخر مستقبلاً». يؤكد حمية أن «مشكلة تشغيل الباصات شأنها كشأن اي خطة نقل عام مرتبطة بتقلبات سعر الصرف وأسعار المحروقات. ما يمنع أي مستثمر من المغامرة في سوق واقتصاد غير مستقرين، فإذا كان من غير الممكن تطبيق تعرفة رسمية للمواصلات العادية نظراً لتبدل سعر الصرف كل دقيقة وتقلب أسعار المحروقات، كيف من الممكن التخطيط لما هو أبعد وأكبر من ذلك؟».

عقلية راسخة منذ 30 سنة

لكن الازمة ليست في الباصات بقدر ما هي أزمة العقلية التي حكمت مقاربة السلطة لحق النقل والتنقل في لبنان طوال العقود الثلاثة الماضية. وحين يخضع شعب بأكمله لنهج التنقل بالسيارة يصبح من الصعب تحفيزه وتشجيعه على اختيار أي بديل، إن وجد.

على الرغم من ارتفاع سعر صفيحة البنزين الى ما هو اكثر من الحد الادنى للأجور، لم يتراجع استهلاك مادة البنزين بحسب الدولية للمعلومات سوى 14%. أي أن الشركات المستوردة لمادة البنزين لم تعان الا قليلاً على صعيد إيراداتها على الرغم من التحول التكتوني لمجتمع بأكمله بات 80% من سكانه في خانة الفقر.



علي الزين


خطأ في السردية

الباحث في مجال النقل علي الزين يرى في هذه النسبة أكبر دليل على أن «السردية التي روج لها في بداية الازمة، انه مع ارتفاع سعر المحروقات سيكسب قطاع النقل العام المشترك (غير الفعال أساساً) زبائن جدداً نظراً لعدم قدرتهم على تحمل التكلفة العالية... هي سردية ساقطة حكماً. في حين ان السردية او الفرضية التي اجنح الى تبنيها هي ان الناس سوف تتخلى بكل بساطة عن التنقل بدل الانتقال من السيارة الى النقل المشترك. بمعنى انه اذا كان هناك شخص ما يقوم بـ15 تنقلا في الاسبوع، سيقوم بتقليل تنقلاته المرتبطة بسيارته. سوف يتوقف عن زيارة عائلاته كما في السابق أو قريته، أو ببساطة سيتوقف عن الذهاب الى العمل».

على قاعدة بأن كل أزمة هي فرصة لتغيير النمط السائد، يرى الزين ان غياب أي قرار بإنشاء نقل عام مشترك لائق هو قرار بحد ذاته. «لن تسمح كارتيلات المحروقات والمصارف وتجار السيارات بقيام نقل عام مشترك. هؤلاء استفادوا من خلال البحبوحة الوهمية ويستمرون في الاستفادة في الانهيار المتواصل، ويراهنون دوما على عودة النموذج القديم وعودة القروض واستهلاك المحروقات كما في السابق».

إستدامة نموذج الإستهلاك

ينطلق الزين من مقاربة السلطة لحق النقل من خلال الزيادات الاخيرة لبدلات النقل التي اقرت للتأكيد أن هناك من لا يملك الرغبة بقيام نقل عام مشترك بعيدا عن القدرة أو التكلفة. «كل زيادات النقل التي اقرت وبعيداً عن عشوائية تحديد البدل تقوم على مقاربة تستند الى توفير مبلغ للعامل أو الموظف للتنقل بسيارته فهي غير قائمة على مقاربة تحفيزية بقدر ما هي مساهمة مالية من قبل الدولة ستصرف في نهاية الامر على استهلاك المزيد من المحروقات، سواء لمن يتنقل بسيارته أو من يلجأ الى استخدام وسائل النقل المشتركة كالباصات أو سيارات الاجرة التي تستهلك بدورها المحروقات. أي ان الدولة بهذه البدلات، غير القانونية بالمناسبة، تساهم باستدامة نموذج الاستهلاك المكلف للخزينة والتي تعود بفائدتها على من يتحكم بسوق استيراد المحروقات».

إدمان على المخدرات

بدل النقل بحد ذاته مخالف للقانون. حين صدر العام 2008 صدر بمرسوم حدد لسنة واحدة فقط، ليتحول في ما بعد الى مطلب يقدم على أنه حق من حقوق الموظفين، في حين انه يجسد الاهانة التي يتعاطى اصحاب العمل فيها مع الاجراء والموظفين باحتساب بدل النقل ككلفة جانبية لا تحتسب في اساس الراتب.

اليوم يرى الزين ان بدل النقل ومهما تعدل وزاد «فهو أشبه بالادمان على المخدرات، كلما احتاج الامر سيعطون جرعة اضافية. وكحال أي مدمن النهاية تكون بانتفاء تأثير الجرعة، أو موت المدمن في غياب اي علاج جذري».

الخطط موجودة ... وموؤودة

وجود خطط جاهزة ومنجزة في أدراج الوزارات والهيئات المعنية أكبر دليل، على أن المشكلة هي في القرار وليس في القدرة. يتحدث الزين سريعا عن 3 دراسات منجزة ومدفوعة التكاليف لم يسمح لها بالانتقال الى المراحل التطبيقية «خطة قطار بيروت طرابلس مروراً بطبرجا، انجزت العام 2012 وقدرت التكلفة آنذاك بـ3 مليارات دولار. قام باعداد دراستها البنك الاوروبي. هناك خطة تحويل مدينة بيروت الى مدينة للمشاة والدراجات بالتعاون مع بلدية «إيل دو فرانس» ، انجزت العام 2012 وقدرت تكلفتها بـ 50 مليون دولار ونامت في بلدية بيروت. يضاف الى هذه الدراسات، واحدة انجزتها وزارة الاشغال العامة ايضاً العام 2012 تقضي بإنشاء 20 خطاً للباصات في بيروت مع 915 موقفاً ولم تر النور. الدراسات سهلة مقارنة باتخاذ القرار. والأهم من القرار هو خيار أي قطاع نقل نريد ولخدمة من».

لا أثر يذكر لباصات حمية

لا يرى الزين أي تأثير ايجابي ممكن للباصات التي تم استقدامها من فرنسا. وان وضعت في العمل «هناك حوالى 5500 باص شرعي تعمل في لبنان في قطاع النقل المشترك، كيف يمكن أن يؤثر 50 باصاً اضافياً او 100 باص اضافي على هذا الرقم الموجود أساساً؟ ففي غياب أي عامل تحفيزي اضافي على القطاع الموجود أساسا، سيضاف هذا الاسطول الجديد الى الاسطول العشوائي الموجود أصلاً. وعليه، الامر يعود من جديد الى دور هذه الباصات ضمن رؤية متكاملة وليس زيادة عدد فحسب».

%13 من الدخل... للسيارة

قبل الازمة كان معدل استهلاك الأسر للنقل في لبنان حوالى 13% من اصل الدخل، الكلفة المرتفعة تعادلها كلفة مشابهة في فرنسا على سبيل المثال لا الحصر، لكن النسبة تصبح نسبة سريالية بمجرد المقارنة بين سبل التنقل بين البلدين. فالكلفة في لبنان تقتصر على التنقل في السيارة أو سيارات الاجرة او الباصات تضاف اليها التكاليف التي يتكبدها الفرد من قروض مصرفية ورسوم جمركية وكلفة محروقات، في حين تتعدد أدوات التنقل في فرنسا بين طائرات وقطارات ومترو وباصات اضافة الى السيارات.

في الخلاصة، ثمة جمهور بأسره ينتظر انطلاق المسدس الظاهر امامه منذ الفصل الاول، مسدس يحمله حفنة من المستفيدين قد لا يتجاوز عددهم الـ100 شخص.