عندما يحل شهر أيلول، كل ست سنوات، وأحيانًا من كل سنة، ينفجر «البركان» الماروني، ذكرياتٍ ومحطات، ويطيح شيئًا فشيئًا ما تبقى من « أَطلال الصلاحيات».
أيلول 1982 وأيلول 1988 كانا الأكثر إيلاماً على الموارنة. في أيلول 1982 حُرِموا من الرئيس الذي لا يتكرر بالنسبة إليهم، الرئيس الذي حكم قبل ان يبدأ حكمه، والرئيس الذي فرض هيبته قبل 23 أيلول، تاريخ بدء عهده الذي سُحِق تحت أنقاض بيت الكتائب في الأشرفيه. بشير الجميِّل اختبر نمط حكمه قبل 23 ايلول، فكان اغتياله ضربة قاصمة اختبر الموارنة وجعها، ولم يخف هذا الوجع مع مرور الزمن.
في ايلول 1988 كانت الضربة القاضية، آخر استحقاق رئاسي قبل الطائف، لم يُنتخَب رئيسٌ للجمهورية لأن الظروف أطاحت انتخاب الرئيس الراحل سليمان فرنجيه ثم النائب مخايل الضاهر. قدَّم «المعنيون» الموارنة طموحاتهم، إنْ لم نقُل أكثر، على احترام العملية الدستورية. الرئيس أمين الجميل حاول انتزاع ورقة التمديد من الرئيس السوري حافظ الاسد الذي حاول بيعها للاميركيين الذين لم يُبدوا حماسة لشرائها. والعماد ميشال عون اصرَّ على أن يكون في بعبدا إما رئيساً قبل حلول 23 أيلول وإما رئيساً «مؤجَّلًا»، وشرط التأجيل ان يكون في بعبدا ثم يأتي الإنتخاب لاحقاً.
استفاق اللبنانيون صباح 23 ايلول على حقيقة ان الرئيس امين الجميل كان آخر الرؤساء الموارنة في نظام 1943، وأن العماد ميشال عون هو الذي سيتسبب بتدمير نظام 1943، من خلال تمنعه عن تسهيل إجراء الانتخابات، وتسبب بحلول نظام الطائف مكانه، وربما عاقبه التاريخ بأن أعاده رئيساً للجمهورية بتأخير ثمانية وعشرين عاماً ولكن رئيساً على نظام الطائف وليس على نظام 1943، أي رئيس انتُزِعَت منه بعض صلاحياته ووضعت في «مجلس الوزراء مجتمعاً».
هل يكون العماد ميشال عون المسبِّب مرتين لتغيير النظام: واحدة العام 1989 في الطائف، والثانية اليوم في حال وقع الفراغ ولم يُملأ إلا بمؤتمر جديد يعيد توزيع الصلاحيات، التي هي اساس النزاع منذ 1975؟
العماد عون اليوم ليس العماد عون 1989. في تلك الحقبة كانت تملأ ساحات «قصر الشعب» والاحراج المجاورة صور الجموع المؤيدة. اليوم تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي صور العماد عون مع مؤيدين ومؤيدات للتيار، وكأن في القصر فترة Photo Shoot.
إنه أيلول 2022، هل من مستشار «مُخلِص» ينصح الجنرال بخروج سَلِس من القصر الجمهوري؟ إذا لم تتم الدعوة إلى انتخاب رئيس تكون المسؤولية التاريخية على عاتق رئيس مجلس النواب. إذا تسلَّمت حكومة تصريف اعمال يكون الجنرال متحمِّلًا جزءاً من المسؤولية فيما الجزء الآخر يقع على عاتق الرئيس المكلَّف، لكنه يخرج إلى الرابية، وبإمكان رئيس المجلس الدعوة إلى انتخاب رئيس.
الخروج من قصر بعبدا منتصف ليل 31 تشرين الاول المقبل، يعطي الرئيس عون «براءة ذمّة» عن كل «الإشاعات» التي تقول إنه لم يكن يريد مغادرة القصر.
إنه أيلول، شهر المرارات على الموارنة.