تتنطّح الدول الغربية لمهمة إنقاذ لبنان من الفراغ الرئاسي مع اقتراب مهلة الستين يوماً الدستورية التي تبدأ غداً الخميس، قبل نهاية العهد الرئاسي الحالي منتصف ليل 31 تشرين الأول المقبل، من دون أن تملك وسائل تحقيق ذلك حتى إشعار آخر.
لا تملك هذه الدول سوى إصدار البيانات التي تلحّ على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في موعدها، مثلما ألحت على إجراء الانتخابات النيابية في أيار الماضي فاستجاب المعنيون، وفي اعتقاد المسؤولين فيها أن القوى السياسية المحلية ستستجيب لضغوط انتخاب الرئيس الجديد قبل نهاية العهد. لكن اختيار رئيس الجمهورية شأن مختلف عن الانتخابات النيابية لأسباب عدة.
الاستحقاق النيابي جرى في وقت كانت حسابات قادة الأكثرية السابقة بقيادة «حزب الله» تقول إنهم سيستعيدون تلك الأكثرية كما حصل في انتخابات العام 2018، فلم تأتِ النتيجة كما كانوا يتوقعون. وعلى رغم أن الأكثرية المقابلة لم تأتِ وفق تحالف مكوناتها كافة، والدليل أنه ما زالت هذه المكونات غير متجانسة، بل مشتتة التوجهات والآراء، فإن النتائج عكست تبدلاً في المزاج الشعبي العام حيال الطبقة السياسية عموماً فاجأ القوى السياسية التقليدية في بعض الدوائر الانتخابية. التغيير في المزاج الشعبي العام يعود بالطبع إلى الخيبة الكبرى لدى قطاع واسع من المقترعين اللبنانيين، من القوى التقليدية الحاكمة منذ سنوات، ومن أداء العهد الرئاسي الذي تمتع عند بدايته وقبلها بشعبية مسيحية راجحة كان من الطبيعي أن تتناقص بعد إخفاقاته، وإمعانه في إخضاع السلطة ومواقف لبنان لتحالفه العميق مع «حزب الله» مع ما جلبه ذلك من أضرار للبلد في علاقاته الدولية وخصوصاً العربية.
أما الانتخابات الرئاسية فمسرحها البرلمان غير المتجانس، وليس الاستفتاء الشعبي، ما يتيح المجال للمساومات، مع تمتع أكثر من طرف بالقدرة على عرقلة انعقاد البرلمان لاختيار الرئيس العتيد عبر الثلث المعطل الذي يحول دون تأمين نصاب الثلثين الذي يوجبه الدستور كي يلتئم لانتخاب الرئيس. ونتيجة تعطيل النصاب هي الفراغ الرئاسي حكماً، مثلما حصل في العام 2008، ثم بين العامين 2014 و2016.
يصعب توقع انعقاد البرلمان لانتخاب الرئيس طالما لم يتأمن النصاب، الذي يستحيل ضمانه من دون اتفاق كتل يساوي عدد نوابها الثلثين، ما يعني أن هذه الكتل توافق على اسم المرشح المحظوظ، الأمر المتعذر حتى الآن أيضاً.
كثرت أسماء المرشحين المطروحة في سوق الترشيحات، من دون أن يعلن أي منهم ترشحه سوى سليمان فرنجية وتريسي شمعون حتى الآن، بينما يتردد منذ مدة طويلة اسم قائد الجيش العماد جوزاف عون كمرشح جدي. يضج الوسط السياسي بالحديث عن الحاجة إلى مرشحين وسطيين، أو غير مستفزين ولا يكونون تحدياً لأي فريق. وبلغت لائحة هؤلاء حوالى الـ 15 اسماً وبعضهم لا لون ولا رائحة ولا طعم له، والبعض الآخر إما قريب من قوى 8 آذار والبعض الآخر من قوى 14 آذار، فيما الباقي تنفي عواصم الدول التي يتردد أنها اقترحت أسماءهم، ومنها باريس، أن تكون فعلت ذلك. هذا فضلاً عن أن هناك من يرفض المنصب من بينهم، ولا يبدو أن أياً منهم يحظى بدعم أي من الكتل النيابية المعنية.
تصطدم رغبات الدول التي تريد الحؤول دون شغور موقع الرئاسة بالوقائع اللبنانية المعقدة التي تحتم حتى إشعار آخر شغور الرئاسة. وإذا كانت تستند إلى ما يبلّغها إياه الفرقاء بأنهم ضد أي فراغ، فإن الكثير من الوقائع تدل على أن هؤلاء الفرقاء يقولون شيئاً ويتصرفون في شكل آخر، ويعرفون كيف يتملصون من وعود قطعوها لعواصم كبرى، مثلما حصل حين وافقت أحزاب الطيف السياسي مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في أيلول عام 2020 على تشكيل حكومة من مستقلين اختصاصيين غير حزبيين، وفور إدارته ظهره جرى إفشال هذا الهدف من قبل «التيار الوطني الحر» ومن «حزب الله»، وجيء بحكومة كيفما كان برئاسة نجيب ميقاتي في 10 أيلول 2021، تحت ضغط الفراغ الحكومي، يتبع الوزراء فيها للأحزاب.
أقصى الممكن في تقطيع المرحلة هو ما يسعى إليه رئيس البرلمان نبيه بري من تعويم لحكومة ميقاتي الراهنة مع تعديل في أسماء وزيري الاقتصاد والمهجرين، بهدف تحصين ميقاتي بمشروعية تسلم حكومته صلاحيات الرئاسة.
أما الدول الرافضة للفراغ، فإن انكشاف أوهامها سيدفعها إلى التعايش معه بحكم تعايشها مع دور «حزب الله»، ومنها فرنسا، التي تترك لها أميركا تدبير شؤون البلد. وقد تيأس وتترك لبنان يتخبط بأزمته، إلى أن تظهر قابلية فرقائه لتسوية رئاسية... فلسائر الدول انشغالاتها الكبرى الأكثر أهمية وستقتصر متابعتها لتعقيداته، على تجميع المعلومات حول أوضاعه الأمنية، إذا تدهورت. وهذا يعني أن اللبنانيين قد يجدون أنفسهم وحيدين أكثر من أي وقت.