لليوم الثاني على التوالي، نفّذ عدد من المحتجين اعتصاماً عند مدخل "النافعة" في حبوش على خلفية الاعتداء الذي تعرض له عدد منهم أمس، على أيدي أصحاب مكاتب السوق، وذلك للتأكيد على أنّ تحركهم يهدف الى وقف مزاريب الهدر والسرقة السائدة في "النافعة"، ودعماً لاعتماد المركزية الإدارية، وكف يد السماسرة، والمطالبة بقانون سير جديد يعتمد مبدأ الحقوق والواجبات، لا التنفيعات. وقد حمل المعتصمون يافطات كُتب عليها "لوقف حنفية السرقة"، "النافعة للناس مش للسماسرة"، وغيرها من الشعارات التي لامست أوجاع كل مواطن تعرض للذل والسرقة في هذا المركز قبل انجاز معاملاته. وتزامن التحرك مع انتشار أمني كثيف للجيش والقوى الأمنية تحسبا لأي أشكال قد يقع، وقد عمد المعتصمون إلى منع دخول أي شخص إلى المركز أو الخروج منه بغية الضغط وشلّ الحركة.
وتحرّك أصحاب مكاتب السوق في خطوة معاكسة، وحاولوا فض الاعتصام لأنه يؤثر على حركة عملهم. وكاد يقع اشكال بينهم وبين المعتصمين، لولا تدخل بعض العقلاء الذي سحبوا فتيل "الغضب"، ليؤكد احد أصحاب المكاتب على أحقية مطالب المعتصمين وأهمها إلغاء اللامركزية الإدارية لتخفيف الأعباء المالية. وأكد احد المشاركين يوسف العزي أنّه قرر المشاركة في الاعتصام ليقول إنّ "النافعة مركز للفساد، وسنقفله".
وفي الساحة كان لافتاً حضور المرأة بكونها "قلب الساحات". ماريانا امين، واحدة من" سيدات الثورة"، تتمسك بكوفيتها وعلمها اللبناني، تقول إنّ "الثورة امرأة، والوطن ثورة"، تجدها في ساحات الحراك تدافع عن الفقراء والمضطهدين، من دون أن تتخلى عن بوصلتها الرئيسة "القضية الفلسطينية". هي واحدة من عشرات النسوة، ممن آمنّ بقضية التغيير. رقصن على "أوجاع" الوطن، صرخن بوجه "الغلاء الفاحش، وجشع التجار، وازلام السلطة، دافعن عن حق المرأة في العمل، في الحضانة. كانت مطالبهن اكثر حضورا في الساحات، أسوة بكل أم فقدت ابنها بسبب "ذكورية المحاكم"، أو "استبداد السلطة واحتكارها للوظائف". على مر أيام الحراك كانت للمرأة فعالية مؤثرة. فدوى، مريانا، سارة، فاطمة، بادية، لبنى، وغيرهن من ثائرات الوطن اللواتي يتمسكن بقاعدة "التغيير يبدأ من عدم الرضوخ"، ويؤمنّ بمقولة "صانعات الأوطان"...
فإذا كانت ماريانا ومثيلاتها يصنعن تغييراً في الساحات فلـ"أم علي" قصة مغايرة.
لم يمنعها عمرها الذي تجاوز السبعين من ممارسة عملها في جمع التنك والبلاستيك. تصادفها يومياً في طرقات النبطبة، تجر عربتها الخشبية، وتمضي باحثة بين الحقول وعلى جنبات الطرقات عن التنك والحديد والبلاستيك، باتت مهنتها منذ خمسة أعوام، وباتت الطرقات صديقة أيامها، لم تأبه بالبرد القرس، ولا بالأمطار التي بللت ملابسها، جل ما تخشاه أن تبيت ليلتها جوعا. ساعات عمل طويلة تمضيها لتتمكّن من تحصيل 10 آلاف ليرة يومياً، بالكاد تمكّنها تسد جوعها.
هذه السيدة، أسوة بكثيرات، ثرن على واقعهن، على بيئتهن، على كل شيء، لكي يبقين على قيد الحياة. تفضل جمع التنك على "الشحادة"، وتتمنى الأمان والراحة والطمأنينة في نهاية حياتها. أكثر ما يستوقفك، هو عزيمتها، اصرارها على العمل في سنها، "الوضع لا بيرحم، والقلة بتقتل"، هذا ما تقوله قبل أن تمضي باحثة عن لقمة عيشها".