ريتا ابراهيم فريد

مشروع بقاء

دقيقتان للقراءة

في عينيه مشروع رحيل.. الى ما بعد الخوف. الى حيث تتمرّد الروح ولا تفنى. سيمارس هناك انتفاضته الجميلة، بكلّ حرية.عارياً من أحلامه، سار الى جنب الضوء. بحث بين الخراب عن عنوان أمل، عن ثورة حمراء اتخذها صلاة يومية له.

غسل ذاكرته من حزنه الدائم، من عواطف أرهقت جسده وشدّت به نحو الأسفل.. حتى باتت حصاراً على سيادته لنفسه. أحسّ بنشوة اللامبالاة ترتفع به نحو الأعلى، تشطب قيد انتمائه المزيّف الى هذا العالم. لم تعد هذه المدينة تشبهه. بات بحرها منكسراً، وأضواؤها سوداء، وطعم الهواء مرّ.تسارعت الصفعات فوق وجهه، لكنه لن يدير "الخدّ الأيسر" مجدداً. سيركض مطارداً حريته: قد يحفر نفقاً سرياً الى حيث يريد، وقد يتمسّك بأول طائرٍ يلتقيه.وقد يكتفي بنظرة ساذجة تذكّره بما أجبره على البقاء طفلاً.

هو ليس حزيناً. لكنه بالتأكيد، فقد قدرته على الفرح.

جثا على ركبتيه أمام إله تعرّف إليه حديثاً وصرخ من أعماقه :"لا شيء يشجّع على بقائي هُنا. لم يعد عالمك يحتويني. خذ هذا القلب الضعيف، خذ نبضاته السريعة اللاهثة خلف نهاية مُستسلمة. خذها واعطها لـمن يحسن ترويضها".اتخذ قراره. سينام الليلة بين أحضان تحرّره. ستُقرع الأجراس غداً، خصيصاً له. سيحملونه على الأكف. سيخرج من جسده الفاني ويحلّق بشجاعة.. حراً من كل شيء.في اللحظة المصيرية، استعاد في فكره "فلسفة اللحظة". هي الحدّ الفاصل بين هشاشة النفس البشرية التي تنعكس أحياناً جرأةً مُطلقة، وبين استسلامها المُخجل الذي يُمعن في خوضه جميع أنواع الصراعات.. حدّ البقاء.

هي خطّ تماس بين حكاية مُقبلة يسخر فيها من أوجاعه السابقة، وبين انتزاع هوية جديدة للإله في داخله.

نظر باكياً الى جراحه، وتذكّر وجوهاً دافئة أحبّها بعمق. حدّق بابتسامة صديق ذكّره بكنزه الخفي، ونصحه بألا يسمح لكتابه الثاني أن يبصر النور مثله.. يتيم الأب.

عاد أدراجه ململماً بقايا رحيله المؤجّل، نحو مشروع بقاء.. وثورة.

أشعل سيجارة وكتب، قبل أن يتقدّم لإحراق الظلمة.