وليد شقير

تقطيع الموازنة بانتظار حكومة سياسية؟

4 دقائق للقراءة

في اعتقاد مصدر سياسي بارز أن إقرار الموازنة في البرلمان هو وسيلة مشروعة لتقطيع الوقت بحجة القيام بعمل واجب على السلطة التشريعية لتلبية واحد من المطالب الرئيسة لصندوق النقد الدولي في لائحة الإصلاحات التي يطلبها من لبنان قبل أن يتم إقرار الاتفاق الذي جرى التوصل إليه على مستوى الموظفين، من قبل مجلس إدارته.

لكن تقطيع الوقت بهذه الحجة المشروعة لا يلغي برأي أوساط نيابية الحقيقة القائلة أن إقرار الموازنة التي سيتم بحثها على مدى أيام عدة في البرلمان الأسبوع المقبل، لم يعد ذا فائدة كبرى على الوضعين المالي والاقتصادي لأن البلد على مسافة شهرين ونيف من انتهاء العام بحيث يصعب استفادة الاقتصاد والخزينة من التدابير والإجراءات الإصلاحية المفترضة التي تتضمنها. فسعر صرف الدولار الأميركي الذي يمكن إقراره فيها سيكون ورقياً طالما لم يتم تحريك الاقتصاد بحيث تدخل استثمارات إلى البلد وطالما لم تحصل انتخابات رئاسية تأتي بشخصية توحي بالثقة، وتعطي نفساً جديداً وأملاً بإمكان إنقاذ الناس من الوضع المأسوي الحالي الذي يغرقون فيه.

يقر بعض الذين لا يخالفون وجهة النظر هذه، بأن جلسات الموازنة فرصة للتداول بين الكتل النيابية، ما دام التفاهم بينها على انتخاب الرئيس العتيد يتوقف على أشواط من المشاورات والمحطات المحلية والخارجية، ومنها مفاوضات ترسيم الحدود البحرية التي يزور بيروت من أجلها الوسيط الأميركي آيموس هوكشتاين في الساعات المقبلة، إضافة إلى انتظار «حزب الله» ما ستؤول إليه المفاوضات الأميركية الإيرانية حول النووي ورفع العقوبات عن طهران.

مع أن عقد جلسات إقرار الموازنة تقطيع مشروع للوقت قبل أن يغامر رئيس البرلمان نبيه بري بالدعوة إلى جلسة انتخاب رئيس الجمهورية، فيصبح مقيداً بتخصيص جلساته كافة بعد ذلك للاستحقاق الرئاسي من دون الحق بالتشريع، فإن انعقاد البرلمان قد يفسح المجال لتجديد البحث في إمكان تشكيل الحكومة الجديدة من أجل تفادي الإشكالات التي قد تنجم عن تولي حكومة تصريف الأعمال صلاحيات الرئاسة إذا تعذر انتخاب الرئيس قبل 31 تشرين الأول المقبل.

لكن فسحة الوقت التي تتيحها مناقشات الموازنة وإقرارها لن تمر من دون استمرار المماحكات والاشتباكات السياسية التي عنفت على مدى الأسبوعين الماضيين، لا سيما حول تأليف الحكومة. فالتوجه عند الفريق الرئاسي هو أن تتألف حكومة كما يريد ووفق ميزان قوى يسمح له بأن يتخذ فيها القرارات التي تعوض له عما تعذر تحقيقه في الأشهر الماضية من إقالة حاكم مصرف لبنان وتعيين بديل منه من الموالين له وتغيير مجلس القضاء الأعلى وتعيين مريديه، وتغيير قائد الجيش جوزاف عون وربما الاشتراك في تلزيم تأهيل قطاع الكهرباء... إلى غيرها من القرارات، أو البقاء على حكومة تصريف الأعمال حتى يتسنى له اعتبارها «مغتصِبة» كما أعلن رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل. فبديل حكومة تصريف الأعمال هو حكومة يتمتع فيها الفريق الحاكم بالأكثرية مع حلفاء له، وبديل حكومة كهذه هو تسويغ افتعال الفوضى السياسية والنزول إلى الشارع بحجة الدفاع عن صلاحيات الرئاسة بينما الهدف الضغط للمجيء برئيس محكوم سلفاً بالقيود العونية.

وإذا كانت حجة الفريق العوني هي أن صيغة الحكومة التي طالب بها، أي سياسية بالكامل مع 6 وزراء دولة قد يكون باسيل واحداً منهم، سبق للرئيس ميقاتي أن اقترحها على رئيس الجمهورية قبل أسابيع، فإنها صيغة قد تلائم «حزب الله» في مرحلة الفراغ الرئاسي فيدير الدفة مع باسيل إذا طال هذا الفراغ في ظل وضع إقليمي هش جراء الصراع الدولي في المنطقة. فريق الرئاسة يستند إلى أن ميقاتي تراجع عن اقتراح قدمه لعون بأن تكون الحكومة سياسية وثلاثينية وأن يسمي رئيس الجمهورية المسيحيين الثلاثة من وزراء الدولة على أن يسمي هو السني والثنائي الشيعي الوزير الشيعي، فيما تتم تسمية الدرزي بالتفاهم مع رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي». وهو يتسلح بهذا الاقتراح الذي عاد عنه ميقاتي بعدما تنبه إلى أضراره، لكن عون وباسيل يتمسكان به، و»حزب الله» قد يعود إلى تأييده إذا تخلى الرئيس بري عن رفضه له.

جلسات البرلمان لإقرار الموازنة لن تعدل في توجهات الفريق الرئاسي، بل هو يأمل في أن يجر «حزب الله» إليها لأن الأخير يعمل على إرضاء حليفه من أجل ضمان تناغمه معه في مرحلة ما بعد 31 تشرين الأول، ثم في مرحلة ما بعد انتخاب الرئيس كائناً من كان ليبقى عنصر ضغط عليه وعلى خصوم الحزب في الساحة المسيحية.