جاد حداد

ساعدي طفلك على زيادة قوة تحمّله

10 أيلول 2022

02 : 00

يظن معظم الأهالي أن واجبهم الأساسي يقضي بحماية أولادهم من الأوقات الصعبة أو الفشل. لكن لا تكون هذه المقاربة مفيدة دوماً لتحضير الطفل لمستقبله، بل إن المصاعب قد تساعده على الاستمتاع بأفضل لحظات الحياة وتعزز شعوره بالرضى حين يتجاوز العوائق التي يواجهها. في ما يلي أفضل الطرق لزيادة قوة تحمّله...



ما معنى قوة التحمّل؟


تحمل قوة التحمّل معنى المرونة، أي القدرة على التكيف مع الظروف واحتمال التعثر لكن من دون الانهيار.

يجيد الفرد الذي يتمتع بقوة تحمّل عالية التعامل مع المصاعب الحادة أو المزمنة ومع الانتصارات أيضاً. إنها صفة مهمة لأن أحداً لا يستطيع تجنب تحديات الحيـــاة غير المتوقعة.

يمكنكِ أن تقيّمي قوة تحمّل طفلك عبر مراقبة قدرته على التكيّف مع الظروف العصيبة. كيف يتفاعل مثلاً مع المشاهد المخيفة في الكتب أو البرامج بين عمر الثالثة والخامسة؟ وكيف يتصرف عند تكليفه بمشروع صعب في عمر التاسعة؟ تؤثر ردة فعله البيولوجية على قوة تحمّله. يكون البعض حساساً تجاه الضغط النفسي أكثر من غيره، بينما يبدو البعض الآخر أكثر استرخاءً في هذه الظروف.

كذلك، تتأثر قدرة الطفل على التكيف مع التحديات وتطوير نفسه بالتجارب والعلاقات في حياته. من جهة قد تتراكم التجارب العصيبة، مثل خسارة أحد الأبوين أو الإصابة بمرض مزمن، فتزيد الأعباء التي يعيشها الطفل. لكن من جهة أخرى، قد تنشأ علاقات إيجابية في حياته ويجد مصادر الدعم التي يحتاج إليها. لن يختفي الضغط النفسي في هذه الحالة، لكن يكتسب الطفل الأدوات اللازمة لإقامة توازن إيجابي.

نحو بناء قوة التحمّل تتعدد الخطوات التي يمكنكِ تطبيقها لمساعدة طفلك على اكتساب قوة التحمل وتطويرها، بغض النظر عن قدراته الراهنة.

شجّعيه على إقامة علاقات داعمة


قد يشعر طفلك بأنه يتمتع بالقدرة اللازمة على تجاوز المشاكل إذا حصل على دعم شخصٍ راشد ومتّزن وملتزم (أحد الأبوين، مربّية، معلّمة...). هذه العلاقة تمنح الطفل طبقة عازلة ضد ضغوط العالم الخارجي، فتقدّم له مساحة آمنة يستطيع النمو فيها.

على صعيد آخر، قد يشكّل هذا النوع من العلاقات ركيزة داعمة للطفل الذي يطوّر مهارات مثل التركيز، وحل المشاكل، وضبط النفس، للسيطرة على الضغط النفسي. حين يصبح الطفل أكثر ثقة بنفسه وتتطور قدراته، يمكن البدء بإزالة تلك الدعامة تدريجاً إلى أن يتمكن من الوقوف وحده في نهاية المطاف.

يستفيد الطفل أيضاً من إقامة مجموعة من العلاقات الداعمة. قد تنشأ هذه العلاقة مع الجدّ أو الجدّة، أو الخالة أو العمّة، أو مدرّب، أو أستاذ البيانو، أو أحد أصدقاء العائلة. فكّري إذاً بأفضل طريقة لتقوية هذه العلاقات في حياة طفلك، أو طوّري علاقات أخرى تنعكس إيجاباً عليه.

علّميه المبادئ الأساسية


لمساعدة طفلك على تطوير قوة التحمّل، ساعديه على تعلّم المبادئ التالية:

• لكل قرار عواقبه الخاصة: دعي طفلك يختبر نتيجة قراراته في الوقت المناسب. إذا كنتِ تتخذين عنه جميع القرارات، قد يستنتج أن أفعاله أو مشاعره لا أهمية لها. حتى أنه قد يشعر بأن والديه يشكّان بقدرته على المشاركة في عملية اتخاذ القرارات أو القيام بخياراته بنفسه. إذا أصرّت ابنتك مثلاً على ارتداء فستان للذهاب إلى الملعب، اسمحي لها بفعل ذلك. سرعان ما تلاحظ أن خيارها يزيد احتمال تعرّضها للخدوش. وإذا قال لك ابنكِ إنه درس بما يكفي للامتحان، دعي نتيجة الامتحان تثبت له إذا كان محقاً. حين يتخذ الطفل قراراته، سيزداد حكمة وثقة بنفسه مع مرور الوقت وتتطور قدرته على التعافي من الانتكاسات.

• الفشل جزء من الحياة: إذا اعتبر الطفل الفشل فرصة للتعلم بدل الاستسلام، سيصبح أكثر ميلاً إلى خوض تجارب جديدة وإتقان ما يفعله. علّمي طفلك إذاً أن يتقبّل الخسارة في الألعاب اللوحية أو في مباريات كرة القدم. لكن يُفترض ألا تجعله تلك الخسارة يوقف اللعب أو يمتنع عن المحاولة مجدداً لأن المهارات قابلة للتعلّم. كذلك، أشيدي بطفلك حين يبذل الجهود لإتمام مهمة معيّنة. إذا بدأ نشاطاً محدداً ثم أراد التوقف لأنه يشعر بأنه ليس بارعاً فيه، شجّعيه على المتابعة لفترة معينة. سيقتنع حينها بضرورة ألا يستسلم سريعاً رغم صعوبة المهام.

• لكل شخص نقاط قوته: تعاوني مع طفلك لاكتشاف وتطوير نقاط القوة في شخصيته الفريدة من نوعها، وساعديه في البحث عن فرصٍ لاستعمالها. قد يكون استعمال مهارة معينة لمساعدة الآخرين مصدراً أساسياً لتعزيز ثقة الطفل بنفسه.

علّميه عقلية النمونادراً ما تقتصر الحياة على سلسلة من النجاحات. يكفي أن تفكري بأولى خطوات طفلك مثلاً. انتهت معظم جهوده الأولية بتعثره على الأرجح، ومع ذلك يتابع الطفل محاولاته ويتعلم المشي والركض في نهاية المطاف.

في مرحلة نمو الطفل، يجب أن تساعديه على بذل جهود متوسّعة وأكثر تعقيداً. لا مفر من أن يفشل ويتعثر أحياناً. يقضي دورك في هذه الحالة بمساعدته على النهوض وتكرار المحاولة. احرصي أيضاً على أن يفهم الطفل أهمية مسار التعلم، ما يعني أن النجاح الفوري ليس الهدف النهائي دوماً، وبالتالي يجب ألا يخاف من الفشل أو يحاول تجنبه. بل يُفترض أن يفهم الطفل أن الفشل جزء طبيعي من التعلم والتجارب الجديدة.

قد يستفيد الطفل أيضاً إذا سمعكِ وأنت تتكلمين عن التجارب التي فشلتِ فيها والدروس التي استخلصتِها منها. الأفضل من ذلك هو أن تسمحي له بخوض تجارب جديدة بنفسه. حاولي أن تشاركي معه في سباق طويل أو في حصة لصناعة الفخار. ستتعلمين الكثير من هذه التجربة معه.

اسمحي له باستخلاص الدروسكي يتعلم الطفل من إخفاقاته، يجب أن تنسحبي وتسمحي له بخوض التجارب وحده. من الأفضل ألا تتدخلي إلا إذا واجه وضعاً يطرح خطورة على سلامته الشخصية. لكن إذا لم يُنْهِ الطفل واجبه ضمن المهلة المحددة، دعيه يواجه العواقب. سيتعلم حينها أن القواعد تنطبق عليه أيضاً، وسيدرك أهمية أن ينهي واجباته في الوقت المحدد.

كذلك، أفسحي له المجال كي يدافع عن نفسه. إذا واجه المشاكل مع أصدقائه مثلاً، لا تتدخلي لمساعدته، بل أصغي إليه واسمعي وجهة نظره. تناقشي معه لمعرفة رأيه حول أفضل طريقة للمضي قدماً، وقدّمي له الدعم أو النصائح إذا طلبها منك.

عدّلي مواقفه الانهزامية

قد يصبح الفشل حافزاً إيجابياً للطفل أحياناً، فيتشجع على بذل جهود مضاعفة. استكشفي معه الخيارات التي كانت لتقوده إلى نتائج مختلفة. إذا شعر طفلك بالهزيمة وقال "لا أستطيع"، اطلبي منه أن ينهي هذه العبارة بكلمة "بعد". عند تكثيف الجهود أو تجربة استراتيجية جديدة، قد يكرر الطفل محاولاته ويُحقق نتائج أفضل على الأرجح.

يجب أن تفكري أيضاً بتوقعاتك الخاصة. قيّمي قدرات طفلك وارفعي سقف توقعاتك بما يكفي كي يتشجع على النمو والتطور. أو اسمحي له بتحديد سقف التوقعات بنفسه. إذا بقيت الأهداف سهلة التنفيذ، لن يفشل الطفل مطلقاً، أو لن يتسنى له أن يتعرّف على قدراته الحقيقية.

لن تكون مساعدة الطفل على بناء قوة تحمّله عملية سهلة. لكن من خلال السماح له بمواجهة التحديات وتطوير الاستراتيجيات اللازمة للتعامل معها، يمكنك أن تحضّريه كي يصبح شخصاً مستقلاً في سن الرشد.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.