عيسى مخلوف

بعلبك في البال

4 دقائق للقراءة

بعض المواقع الأثرية التي وصلت إلينا منذ قرون، تتجاوز في حضورها الأمكنةَ التي توجد فيها وتاريخ بنائها وجنسيّات مَن بناها لتصبح جزءاً من الإرث الإنسانيّ بشكل عامّ. هكذا هي آثار بعلبك التي جذبت إليها في الماضي، خصوصاً في القرن التاسع عشر، عدداً كبيراً من الرحّالة والكتّاب والفنانين والمهندسين المعماريّين، فتركوا شهادات وكتابات ولوحات فنّيّة ساهمت في تكوين صورة للمدينة التاريخيّة في المخيّلة الجماعيّة.

في هذا السياق، تعود مدينة باريس اليوم إلى آثار بعلبك من خلال معرض جديد يُفتتح قريباً في "معهد الفنون الجميلة" المحاذي لمتحف "اللوفر" ونهر "السين" تحت عنوان "بعلبك/ الرحلة الكبيرة الى لبنان". يركّز المعرض على محصّلة زيارة للصّرح التاريخي قام بها مهندسان معماريّان فرنسيّان أقاما في الأكاديمية الفرنسية في روما في القرن التاسع عشر، وهما أشيل جوايو وغاستون رورون، وقد ذهبا الى لبنان ليدرسا مشروع ترميم مواقع محدّدة من القلعة الأثريّة. خلال هذه الرحلة، أنجزا مجموعة من الرسوم المائيّة رصدا من خلالها، بجماليّة فنّيّة أكيدة وبإخلاص تامّ، جمال تلك الأطلال التي تحيط بها الجدران العالية وفي خلفيّتها الجبال والسهل.

هذه الرسوم النادرة، غير المنشورة أو المعروضة قبل اليوم، هي نواة المعرض الباريسيّ الذي يقدّم شهادة فريدة لموقع أثري لم تبدأ فيه التنقيبات الأثرية إلّا في العام 1898. والرسوم جزء من مجموعة "معهد الفنون الجميلة" التي تتألّف من 25 ألف رسم وتُعَدّ أبرز مجموعة رسوم بعد مجموعة متحف "اللوفر"، كما تغطّي مراحل زمنيّة تمتدّ من عصر النهضة الإيطالية الى يومنا هذا.

الرسوم المتميّزة التي أنجزها المعماريّان الفرنسيّان في غضون أشهر عدّة تعطي صورة دقيقة عن الموقع الأثريّ، وكذلك عن بعض أحياء المدينة كما كانت حينذاك. وهذه الشهادة المصوَّرة لا تقلّ أهمّية عن الشهادات المكتوبة لكتّاب كبار زاروا الموقع في القرن نفسه، ونذكر منهم، على سبيل المثال، لامارتين وشاتوبريان وفلوبير.

على هامش الحدث البعلبكي في باريس، كيف لا نفتح صفحة الذكريات، والالتفات إلى الوراء ينطوي، أحياناً، على بعض العزاء؟ عشيّة الحرب الأهليّة، جاء الشاعر الفرنسي لْوي أراغون إلى لبنان. استقبله في مطار بيروت الشاعر جورج شحادة ورئيسة مهرجانات بعلبك آنذاك مي عريضة. في بعلبك، تحوّل نصّ أراغون "مجنون إلسا" إلى مشهديّة تحكي من خلال الكلمات والموسيقى والرقص حكايتين اثنتين: الأولى، سقوط غرناطة قبل أسابيع قليلة من بداية رحلة كولومبس إلى القارّة الجديدة، والثانية، حكاية "مجنون ليلى" التي ترد فيها عبارة أراغون الشهيرة: "المرأة مستقبل الرجل". وتنطوي هذه العبارة على إدانة الوحشيّة التي مارسها الرجل منذ القِدَم ضدّ المرأة، وكرّستها نصوص وشرائع وأديان وتقاليد، كما تنطوي على إيمان بتغيُّرات كبيرة سيأتي بها المستقبل.

جان كوكتو هو أيضاً مرّ ببعلبك حيث قدّم، صيف 1962، عملاً احتفالياً مستمدّاً من إحدى مسرحيّاته التي سبق أن قدّمها على خشبة مسرح "الكوميدي فرانسيز"، وتستوحي الأساطير القديمة، هو الذي يقول: "أفضّل الأسطورة على التاريخ، لأنّ التاريخ ينطلق من الحقيقة ويذهب في اتجاه الكذب، بينما الأسطورة تنطلق من الكذب وتمضي نحو الحقيقة".

الأعمدة الماثلة في المكان كأنّها كائنات جيء بها من كوكب آخر، فَتنَت الكاتب والفنّان الفرنسي وجعلته يكتب ويرسم ويحلِّق فوق أزمنة بعيدة. في شهر تمّوز من العام 2015، أثناء تواجدي في بعلبك للمشاركة في احتفاليّة "إلك يا بعلبك" التي أخرجها نبيل الأظن، حدثت المفاجأة عندما طالعتني لوحتان أصليّتان تحملان توقيع كوكتو، في أحد ممرّات فندق بالميرا، فندق الذكريات ومأوى البرق الذي عَبَرَ في الأمس القريب سماءَ مدينة الشمس. في اللوحتين، استوحى الفنّان الخطوط الهندسيّة من حجرَين كبيرين متهاويين قرب معبد باخوس. وهكذا يكون جان كوكتو قد ترك شيئاً من ذاته هناك، ككلّ الذين مرّوا بذلك المكان الساحر وقلوبهم تنبض بالجمال وتنفتح على الدهشة.