لخّص الوزير السابق والقانوني المرموق نقيب محامي الشمال السابق رشيد درباس كل السجال الدائر حول الهرطقات الدستورية التي يبتدعها ويفتعلها رجال الفريق الرئاسي بالقول إن ما نشهده ليس فوضى دستورية جراء الاجتهادات التي وصفها رئيس البرلمان نبيه بري بـ»غبّ الطلب» من أصحاب «الإرادات الخبيثة»، هو «فوضى سياسية» بل وطنية... ولكن «في سبيل مصالح».
لم يعد هناك من لبس دستوري حول سبل ملء الفراغ، وهو الحالة الشاذة التي تُفتعل لأسباب سياسية. قالها جميع الخبراء من مسيحيين ومسلمين إذا كان علينا أن ندقق بهوية كل منهم لتبيان «سوء النية» المفترضة من «حسن النية» عند المشرّع، من حسن الرفاعي وأنطوان مسرة إلى أنطوان صفير وسعيد مالك وبول مرقص وغيرهم ممن ملأت مشورتهم الشاشات في الأسابيع الماضية: يحق لحكومة تصريف الأعمال أن تتولى صلاحيات الرئاسة في حال الشغور الرئاسي.
حدد درباس بإعادة أصل المشكلة إلى الأزمة السياسية، خلفيات افتعال كل هذا السجال الذي تارة يمارس الرئيس ميشال عون نوعاً من التشويق التهويلي في سياقه، قائلاً بأنه يحتفظ لنفسه بما سيقوم به في حال لم ينتخب بديله ولم تتشكل حكومة كاملة الصلاحيات، وأخرى بعنتريات صهره رئيس «التيار الوطني الحر» صاحب سمعة العبثية، بقوله إنه سيعتبر حكومة تصريف الأعمال «مغتصِبة للسلطة»، من أجل تسويغ النزول إلى الشارع في حال تسلمت صلاحيات الرئاسة.
وعلى رغم أن العلاج الوحيد، بل الواجب، لهذا الجانب من أصل المشكلة السياسية (لا الدستورية) هو في ما يصر عليه البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي بانتخاب الرئيس الجديد قبل 31 تشرين الأول، فإن التهويل الذي يتكرر لا مفعول له سوى تعميق الأزمة السياسية في البلد، والتي تتفرع منها أزمة الفريق الرئاسي الحالي المذعور من أنه سيغادر الرئاسة ومن تراجع قدرته على التأثير إلا عبر تحالفه مع «حزب الله»، الذي استمد أصلاً موقعه من فائض قوته، وسيبقى محتاجاً إلى فائض القوة هذا بعد خروجه من الرئاسة. فالفريق الرئاسي يمهد لإحداث الفراغ من طريق مواصفات لرئيس الجمهورية الجديد مناقضة للمواصفات التي ينادي بها الراعي وسائر القوى المسيحية والكتل النيابية وحتى حليفه «حزب الله».
عنتريات الفريق الرئاسي تشبه من يختال في المقبرة بين المدافن رافعاً الرأس ويطلق صفارة من فمه في الهواء، للإيحاء بأنه ليس خائفاً من الكزدرة بين الأموات...
مع أن هناك من يعتقد أن كل ما يقوم به حليف «الحزب» من ممارسات في هذا الخضم حوّله إلى عبء ثقيل على الحزب نفسه، قبل أقل من 50 يوماً على تركه الحكم، فإن جهات أخرى ترى أن الحزب لا يعتبر نفسه خاسراً من تلك الدوامة التي يغرق فيها البلد، طالما لم يحسم أمره بالنسبة إلى انتخاب الرئيس، ويريد أن يأخذ وقته كي «يفلّي» ويدقق في خيارات من سيتولى المنصب الأول. إذ إنه رغم الإزعاج الذي يسببه عون وباسيل للحزب في علاقاته مع الحلفاء الآخرين وفي طليعتهم الرئيس نبيه بري والمرشح الأقرب إليه سليمان فرنجية، في خضم الاستحقاق الرئاسي، فالأسهل عليه أن يتلطى وراء افتعال الحليف المزعج عقبات تسهم في تأخير انتخاب الرئيس ريثما تتضح خيارات الخصوم من جهة، وإلى أن تنقشع ملامح الوضع الإقليمي ومسألة ترسيم الحدود البحرية خلال الأشهر الثلاثة المقبلة... من جهة ثانية. الحزب ليس قلقاً من لعبة التسريبات الدونكيشوتية عن بقاء عون في القصر الرئاسي بعد انتهاء ولايته، لأنه واثق من أنه سيغادره، ولا من تشكيله حكومة شبيهة بحكومة 1988 لأن لا مكان لهذا الخيار دستورياً وسياسياً. كما أن الحزب ليست لديه أوهام من خطوة ترشيح باسيل للرئاسة لأنه يدرك بأن رئيس «التيار الحر» نفسه يدرك بأن الحزب يدرك، أنه خيار مستحيل كما أبلغ بذلك أقرب المقربين إليه في تياره، وأن كل الهرطقات هي لملء الفضاء الإعلامي بأفكار هالكة سلفاً. كما أن الحزب يعرف تمام المعرفة أن مطالب عون وباسيل هي وراء منع قيام حكومة ولسان حاله «مش حلو الدلع هالقد».
في الوقت المستقطع الذي يتيحه التأزم السياسي وبالتالي الفراغ المحتمل، ومقابل سعي «التيار الحر» إلى تأمين موقع له في العهد الرئاسي الجديد، يسعى «حزب الله» بدوره إلى التمريك على خصومه بأنه يحتفظ بالمبادرة والقرار، بالمقارنة معهم.
الأول يأمل من افتعال التأزم والفوضى وبالفراغ وتفاعلاته اللاحقة، أن يثبت أنه رقمٌ صعبٌ لعل أمنيته بمؤتمر حوار برعاية خارجية تتحقق فينتهي بتعديلات دستورية تعدل باتفاق الطائف، ويخرج منه اسم الرئيس ليكون شريكاً للعهد المقبل.
والثاني يستعرض للمجتمع الدولي قدرته على فرض القرارات كما فعل بمحاولة تغيير بعض فقرات قرار التجديد للقوات الدولية في الجنوب، ثم بالاعتراض على فقرات أخرى بعد صدوره، ويمضي بفكرة استيراد الفيول الإيراني بموازاة تنكبه مهمة الدفاع عن حقوق لبنان في الغاز والنفط بتبريرات إلهية. وباستجابة حلفائه في السلطة يستعرض واحدة من خطوات إفهام أعدائه الخارجيين وفي طليعتهم الأميركيون، أنه في صلب القرار اللبناني رغم كل محاولاتهم لخفض نفوذه ودور إيران فيه...