ماركوس بيكر

المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية باولو جينتيلوني: الشتاء المقبل قد يكون من أسوأ الفصول في التاريخ

16 أيلول 2022

المصدر: DER SPIEGEL

02 : 00

ميناء هامبورغ | ألمانيا، ٢٠٢٢
يحذر باولو جينتيلوني من انكماش اقتصادي مرتقب خلال الأشهر المقبلة، فقد يصبح تقنين الطاقة في بعض البلدان ضرورياً، وقد تتحول حُزَم المساعدات الجديدة إلى حل حتمي في نهاية المطاف. جينتيلوني (67 عاماً) هو عضو في "الحزب الديمقراطي" الإيطالي وكان رئيس وزراء إيطاليا بين العامين 2016 و2018، وقد أصبح عالقاً اليوم في المعركة التي تخوضها أوروبا لمكافحة أزمة الطاقة...

بلغت أسعار الغاز مستويات قياسية هذه السنة. هل تواجه منطقة اليورو ركوداً اقتصادياً؟

لا أحد يستطيع استبعاد هذا الاحتمال. من المتوقع أن يُغرِق التضخم الذي نختبره راهناً اقتصادنا في اضطرابات كثيرة، وقد يكون الشتاء المقبل من أسوأ الفصول في التاريخ. نحن نواجه مستوىً غير مسبوق من انعدام الأمان. لكن لا تزال أرقام اقتصاد الاتحاد الأوروبي إيجابية بشكل عام، ويبقى وضع سوق العمل جيداً.

حـــــذرت رئيســــــــــة الوزراء الفرنسية، إليزابيــث بورن، من الاضطرار لتقنين الطاقة في الاتحاد الأوروبي. هل تشعر بالقلق من هذا الاحتمال أيضاً؟

يتوقف الوضع على القرارات التي يتخذها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والتحركات التي نتخذها نحن أيضاً. لقد أصبح توفير الطاقة ضرورياً الآن. شاهدنا تطورات إيجابية حتماً على مستوى تعبئة منشآت تخزين الغاز الطبيعي وتوفير الطاقة. لكن يبقى الوضع داخل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي متفاوتاً جداً. قد يصبح التقنين ضرورياً في عدد منها.

كيف يمكن تجنّب هذا الوضع؟

عبر إطلاق رد قوي ومشترك! بدأت الحكومات تتخذ تدابير صارمة منذ الآن. بحلول نهاية شهر آب، أصبح حوالى 1% من الناتج الاقتصادي للاتحاد الأوروبي جزءاً من تدابير تخفيف أزمة الطاقة. ومن المنتظر أن يتم الإعلان عن تدابير أخرى، منها حزمة إغاثة تطرحها الحكومة الألمانية. يمكننا أن نفترض أن تدابير الدعم هذه ستصل إلى 2% تقريباً من الناتج الاقتصادي بحلول نهاية السنة.

هل سيتمكن أعضاء الاتحاد الأوروبي من الحفاظ على هذا النوع من برامج الإنفاق الضخمة؟

كانت ردود الأفعال الوطنية هذه ضرورية وحتمية. لكن يُفترض أن تبقى مؤقتة ومستهدفة بدرجة معينة، ولم يكن الوضع كذلك دوماً. في الوقت نفسه، يصعب أن نحصرها في فترات زمنية محددة. في ظل الوضع الراهن، أي حكومة ستجرؤ على إنهاء برامج المساعدة التي طُرِحت منذ شهر واحد؟ قد تُسبب هذه الظروف مشاكل دائمة في ميزانية الدول التي تعاني أصلاً من أعباء الديون الثقيلة.

هذا الوضع سينتج ديوناً هائلة. في الوقت نفسه، تشهد أسعار الفائدة تصاعداً مستمراً، ما يزيد صعوبة تسديد القروض في بعض البلدان. هل تخشى أن يواجه عدد من دول الاتحاد الأوروبي المشاكل وأن تنشأ أزمة يورو جديدة؟لا أخشى حصول ذلك حتى الآن. لقد ارتفعت أسعار الفائدة قليلاً، لكنها تبقى منخفضة بشكل عام. كذلك، لا يزال النظام المصرفي الأوروبي أقوى مما كان عليه قبل 15 سنة. لا أتوقع أن تتداخل الأزمة الاقتصادية مع القطاع المالي في أي مرحلة.

في ظل هذه الأزمة، دعا صندوق النقد الدولي أوروبا إلى تسريع الإصلاحات المخطط لها للقواعد المالية الأوروبية. هل تدعم هذه الخطوة؟

خلال الأسابيع المقبلة، ستطرح المفوضية مجموعة من الاقتراحات. تعطينا هذه الأزمة فرصة لتجاوز خلافاتنا السابقة حول هذه المسألة أخيراً. نحن نحتاج إلى وضع مالي صلب في أوروبا، لكن يجب أن نحرص على عدم خنق النمو.

أوضحت الحكومة الألمانية أنها تعارض أي تغيير للقواعد. تريد برلين ألا يتجاوز مستوى الإقراض الجديد عتبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي. هل تعتبر هذا الاقتراح مخيّباً للآمال؟

لا، بل إني أعتبر عتبة 3% معياراً جيداً لإبقاء سياسة تحديد الميزانية في مسارها الصحيح. يجب أن نتمسك بها. في الوقت نفسه، تعترف الحكومة الألمانية بأننا لا نستطيع أن نزيد أعباء الدول المرتبطة بتسديد الديون.

أنت تتكلم عن القاعدة التي تُجبِر البلدان التي تتحمل أعباء ديون عالية إلى دفع عُشْرَين من ديونها إذا كانت تتجاوز 60% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً...

هذا صحيح. لا يمكن تطبيق هذه القاعدة لأنها قد تفرض تدابير تقشف صارمة في بعض الحالات. تُعتبر موافقة برلين على هذه الفكرة نقطة بداية إيجابية لمتابعة النقاش حول هذه المسألة.

من ناحية أخرى، تعارض الحكومــــــــة الألمانية خطتك التي تسمح للمفوضية بالتفاوض حـــــول تفاصيـــــــل سياسة الميزانيــــة مع الدول الأعضــــــــاء. هل تتمسك بهذا الاقتراح؟

أنا أنطلق من الإجراءات المتّبعة في الصندوق الأوروبي للتعافي من كورونا. لتوسيع المسؤوليات الوطنية، قد تحصل الدول الأعضاء على فسحة متزايدة لتخفيض ديونها، طالما تضمن هذه العملية احترام المبادئ المشتركة الأساسية، لا سيما تلك المرتبطة بالقدرة على تحمّل الديون. إذا التزمت الدول الأعضاء بالإصلاحات والاستثمارات المطلوبة، قد تحصل على وقت إضافي لتسديد ديونها. إنها طريقة فاعلة أيضاً لضمان دعمٍ متبادل بين المالية المستدامة والنمو.

اقترح صندوق النقد الدولي إنشاء صندوق آخر لمعالجة الأزمة، بما يشبه نموذج برنامج التعافي من كورونا. ما رأيك بهذه الفكرة؟

في المقام الأول، يجب أن نركّز جهودنا على تفعيل الأدوات الراهنة لمعالجة الأزمات وتعديلها كي تتماشى مع الوضع المستجد، منها صندوق التعافي مثلاً. ما زلنا نملك فسحة معينة للتحرك. لكن إذا زاد الانكماش الاقتصادي سوءاً وبدأ يؤثر على سوق العمل، فيجب أن نعيد النظر بهذه الخطوة. في وضع مماثل، قد تبرز الحاجة إلى التفكير بتدابير مختلفة لطرح حوافز اقتصادية أخرى.

سبق وتراكمت ديون كبيرة على أوروبا. ما الذي تنوي فعله كي لا ترزح الأجيال المستقبلية تحت أعباء الديون بلا مبرر؟

في المحصّلة، تتحمل منطقة اليورو في الوقت الراهن أعباء ديون تساوي حوالى 100% من الناتج الاقتصادي. إنها نسبة كبيرة، لكنها ليست مفرطة عند مقارنتها بدول صناعية أخرى مثل اليابان أو الولايات المتحدة. تتعلق المشكلة الحقيقية في منطقة اليورو باختلاف أعباء الديون بين الدول الأعضاء.

أصبحت الديون السيادية مرتفعة على نحو خاص في بلدك الأم، إيطاليا، حيث يصل مستواها إلى 150% من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، تطلق أحزاب سياسية معيّنة هناك حملات لتخفيض الضرائب ورفع معاشات التقاعد.

لا أريد أن أقول شيئاً عن السياسة المحلية في إيطاليا، لكن من المعروف أن هذا النوع من الحملات يشمل وعوداً كثيرة. ومن المعروف أيضاً أن الحكومة المقبلة ستضطر لإقامة التوازن المناسب بين العائدات والنفقات، وستُجبَر على التنبه إلى المتطلبات الأوروبية وردة فعل الأسواق المالية في آن.

لكن تتعلق المشكلة الحقيقية بعدم لجوء الحكومات الإيطالية السابقة إلى هذه المقاربة في جميع الحالات.

تشمل منطقة اليورو ستة أعضاء يتحملون أعباء ديون تتجاوز عتبة 100% من الناتج الاقتصادي، بما في ذلك بعض البلدان المؤثرة. في تلك الدول، يجب أن يُحدَّد سقف دائم للاقتراض الجديد. في الوقت نفسه، نحن لا نتعامل مع تراكم الديون في أوروبا فحسب، بل تبرز الحاجة أيضاً إلى تأمين الاستثمارات. يجب أن نحمي الجيل المقبل من الديون المفرطة طبعاً، لكن يُفترض أن نضمن أيضاً ألا يسوء وضع ذلك الجيل في المنافسة الدولية.

يقترح عدد من الخبراء استبعاد الاستثمارات في المجال الرقمي والبيئة من القواعد المالية. ما رأيك بهذا الاقتراح؟

لا يسهل أن نتفق على استثناء من هذا النوع. لكن من الواضح أننا نحتاج إلى زيادة الحوافز لجذب استثمارات إضافية في المجالات الاستراتيجية من سياستنا. يجب أن تشمل هذه المقاربة تحولات رقمية وبيئية، لكن تشير مجموعة من الدول الأعضاء إلى قطاعات أخرى مثل الدفاع.

في البداية، صعّب تراجع أسعار الفائدة الوضع على المدخرين الأوروبيين، لكنّ ارتفاع الأسعار الآن يعطي الأثر نفسه. ما هي توصياتك في هذا المجال؟

أنا لستُ مستشاراً مالياً. لكن في زمن الاضطرابات الكبرى، لن يكون الحذر أسوأ نصيحة ممكنة. رسالتي كمفوّض هي التالية: في هذه الظروف الصعبة، حيث نتعرّض لمخاطر مرتبطة بالتضخم والركود في آن، يجب أن تستعد أوروبا للتحرك. ويجب أن نثبت أننا نتمتع بقوة الإرادة التي اتكلنا عليها في معركتنا ضد أزمة كورونا. لتحقيق هذه الغاية، نحتاج إلى مبادرات أوروبية مشتركة. إذا نجحنا في إثبات تضامننا خلال أزمة الطاقة والغاز الطبيعي، سنتجاوز هذه المصاعب حتماً.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.