في 25 كانون الثاني من العام الجاري، وقّع وزير الطاقة في حكومة تصريف الاعمال سيزار أبي خليل مع شركة روسنفت التي تملك الحكومة الروسية51% من اسهمها عقد تشغيل وخدمة من أجل تأجير سعة تخزينية في منشآت النفط في طرابلس. نصّ عقد التشغيل على أن تستأجر الشركة الروسية سعات تخزينية من المنشآت، لمدة 20 عاماً، وتبني فيها في المرحلة الأولى، 14 خزاناً بسعة 428 ألف طن، وتعادل مصروف لبنان من المشتقات النفطية لمدة شهرين، وهذه المرحلة ستحتاج إلى 18 شهراً لإنجازها، من تاريخ توقيع العقد مع الشركة، التي ستنفذ عمليات البناء. بعد ذلك، يُفترض أن تبدأ المرحلة الثانية من العقد، والتي ستضيف 32 خزاناً بقدرة استيعابية تقدّر بمليون طن.
الغريب انه لم يتم نشر تفاصيل العقد، وقد أبرمت الصفقة في ظروف غامضة في ظلّ تغييب"الشفافية" المطلوبة في صفقات كهذه خصوصاً إن كانت تمتد لفترة طويلة من الزمن (20 عاماً). لا تنحصر المشكلة الفعلية في ظروف العقد ولا حتى في تفاصيله فقط ولكن ايضاً بتعاطي المسؤولين في ملف "النفط": فاذا كان كل ما سيتم استخراجه من ثروات نفطية سيُرسل الى هذه المنشأة من أجل التكرير، كيف وقّع وزير الطاقة "في حكومة تصريف الاعمال" عقداً مماثلاً من دون ان نمتلك "قانوناً" ومراسيم تطبيقية تحدد أطر هذا القطاع الجديد على لبنان؟ واذا كان العقد يعتبر ساري المفعول من تاريخ توقيعه فلماذا اذاً، لم تبتّ الحكومة بمسودة مشروع قانون النفط البري؟ واذا كانت روسيا مهتمة فعلاً بالاستثمار في الغاز اللبناني فلماذا يتم حتى الساعة الفصل بين البر والبحر؟
نفط لبنان البري
أبدى لبنان جهوزية تامة لبتّ موضوع استخراج النفط في البر، وذلك من خلال المسح الذي جرى على امتداد 6000 كلم2 منذ اكثر من خمسة اعوام. المعلومات الجيولوجية التي أصدرتها شركة "نيوس" آنذاك، تسمح بتقييم مخزون النفط والغاز في البر اللبناني بشكل مفصّل. وقد أتاح المسح الثلاثي الأبعاد الحصول على مجموعة بيانات جيوفيزيائية لباطن الأرض التي يمكن للشركات العالمية ان تحللها بغية تحديد أماكن وجود النفط والغاز وتطويره واستخراجه. ومع ذلك لم تبتعد المناكفات السياسية عن هذا الملف، فيما يستمر التخوف من تكرار تجربة المماطلة المتمادية التي رافقت إقرار المرسومين المتعلقين باستخراج النفط في البحر وما رتبه ذلك من ضمور في هذا الملف وانكفاء لعدد كبير من الشركات الدولية التي لم تعد مهتمة بالغوص في الأعماق اللبنانية، وما تبعه من تسرع لناحية اجراء دورة تراخيص واحدة، فيما ننتظر دورة التراخيص الثانية لنعرف الى ما ستؤول اليه الامور وعن مدى جدّية الاهتمام الاميركي والروسي لناحية الاستثمار في البحر اللبناني.
كميات واعدة
تقنيات المسح الجوي التي تم استخدامها شكلت نموذجاً حديثاً ودقيقاً ومتعدد النتائج، وقد استعانت به شركات النفط الرائدة لتدعيم قراراتها الاستثمارية والاستكشافية في أنحاء المنطقة. واستخدم المشروع إضافة الى بيانات المسح الجوي بعضاً من المعلومات الجيوفيزيائية القيمة للمسح البحري وللمنطقة بما في ذلك المنطقة السورية الشرقية المعروفة بـ palmyra basin وكذلك الفلسطينية. الى ذلك تم دمج بعض البيانات الزلزالية بهدف تأكيد النتائج التي آلت اليها هذه المسوحات. وتظهر الخريطة المتوسطية ان النظام الجيولوجي اللبناني يشكل استمرارية لجيولوجيا دول الجوار.
التنقيب البري.. أقل كلفة
أظهرت تحاليل البيانات تكاملا في النظام البترولي من الناحية الجيولوجية فلماذا لا يباشر لبنان باجراءات التنقيب البري؟ عمليات حفر الآبار النفطية التي حصلت في أربعينات القرن الماضي أثبتت وجود مكامن نفطية، إضافة الى الاستكشافات التي تمت في سوريا وفلسطين والتي يشكل لبنان استمراراً جغرافياً لها، كلها دلائل تؤكد وجود مكامن نفطية. الى ذلك، فان كلفة التنقيب والتطوير في البرّ، أقل من خُمس (1/5) الكلفة بحراً، ما يشكل عنصر جذب لشركات متوسطة الحجم. من هنا لا بد من عدم المماطلة في هذا الملف الحيوي لتجنب تكرار تجربة البحر. فالاهتمام بالبر يؤدي الى زيادة التنافس بين الشركات، ما يُعطي الدولة قدرة تفاوضية أعلى تؤدي الى تعظيم المنفعة، فضلاً عن سهولة مشاركتها في الأنشطة البترولية براً بسبب الكلفة المتدنية مقارنة مع البحر.
ليس التنقيب عن النفط في لبنان أمراً مستجدّاً. بل انّ التوقّعات عن احتمال وجوده تعود الى الأربعينات، وقد بدأت حينها محاولات حفر بئر تجريبية في المنحدر الغربي في جبل تربل شمال مدينة طرابلس. آنذاك اكتشفت الشركة المنقبة مواد بترولية ثم طمرت البئر من دون أن تُعرف الأسباب. بين الاعوام 1948 و 1966 تم حفر سبع آبار غالبيتها في منطقة البقاع قبل ان يقفل هذا الملف بسبب الاوضاع السياسية من جهة، وعدم توفر امكانات لاجراء الدراسات اللازمة. ولكن، رغم الاكتشافات والاثباتات، لا يزال لبنان غائباً عن الساحة النفطية، في حين يُفترض أن يكون معنياً بكل ما يحصل من حوله.
الحكومة تماطل
في آذار الماضي، انتهت اللجان النيابية من دراسة مسودة مشروع قانون النفط البري وأحالته الى الهيئة العامة. اثناء الاجتماع قام قطبان اساسيان في الحكومة بطلب سحبه من المناقشة وانتظار النسخة التي سترسلها الحكومة بعد اجراء التعديلات اللازمة، وذلك في غضون شهر.
انقضى الشهر ولم تقم الحكومة باعادة مسودة مشروع القانون الى المجلس النيابي. ومع سخونة ملفي الموازنة و"التعيينات" هل يمكن ان يوضع النفط البري ضمن سلّم الاولويات؟ وفي حال اقرار قانون النفط البري متى تُقرّ المراسيم التطبيقية اللازمة له؟
واذا اردنا التطرق للموضوع من وجهة نظر سياسية، لخالجتنا تساؤلات كثيرة: لماذا سُحبت المسودة من مجلس النواب بعد ما يقارب 5 أعوام من الدراسات والتعديلات، وبعد ان مضى عليها ولايتان في البرلمان؟ وما الهدف من هدر الوقت؟ وماذا لو لم يتم استغلال الاهتمام الدولي بالغاز اللبناني؟ ولماذا وحتى الساعة لا يزال البعد الدولي لهذا الملف بمثابة "قطبة مخفية"؟
تغفل النسخة الاخيرة من القانون الجديد نقاطاً عدة لا سيما تلك المتعلقة بتنظيم عمل الشركات، ومسألة الإشغال الموقت للعقارات اثناء عملية الاسكتشاف البري، ومن ثم الاستملاك في حال تم اكتشاف حقل نفطي…كل هذه الامور تحتاج الى مقاربة استباقية وسريعة. فالملكية الفردية مصانة في الدستور اللبناني وبالتالي لا يمكن نزعها الا بموجب مرسوم منفعة عامة ولقاء تعويض عادل. الى ذلك، قد تظهر عقبات اضافية وهي المحافظة على الآثار وعلى المواقع الطبيعية والمياه الجوفية والثروات الطبيعية الاخرى. كل هذه التحديات قد تعيق عمليات التنقيب او تدمر ما تبقى من تراث وطني، لذا يجب سن قوانين وقائية وردعية.
من جهة ثانية من غير الممكن الحديث عن النفط البري من دون ذكر دور البلديات كسلطة محلية منتخبة وعلى تماس مباشر مع المشاكل اليومية. لذلك من المفترض إيجاد منظومة تشريعية ترعاها كونها المعني مباشرة بإدارة الثروات الطبيعية. ومن الضروري ان توضع القوانين الواضحة قبل البدء بأي عملية تنقيب، مع دراسة التجارب السلبية والايجابية في الدول الأخرى لنعرف كيف نستفيد منها. ولنأخذ مثلا الأثر البيئي الذي تؤدي في تطبيقه البلديات دوراً اساسياً.
منذ أعوام عدة، يزعم المسؤولون عن هذا القطاع ان عملية التنقيب عن النفط البري يمكن أن تبدأ في وقت قريب، بما أن العوائق التي تؤخر العمل بحراً غير موجودة. لكن يبدو ان هذا الوقت القريب لن يحين حتى من اجل وضع منهجية واضحة لطريقة العمل اللازمة.