مريم سيف الدين

تكريس النظام إمعان في إقصاء النساء

13 كانون الأول 2019

02 : 00

في ساحة رياض الصلح (رمزي الحاج)

تطرح المحامية والباحثة منار زعيتر مشاركة المرأة في17 تشرين بشكل أعمق، وتعتبر أن فلسفة مطالب الثورة وهويتها الواضحة عززت مشاركة المرأة. تحلّل زعيتر المسألة من خلال التغيرات السياسية التي شهدها لبنان منذ الحرب الأهلية. فلا ترى أن لحظة 17 تشرين تعني النساء وحدهن بل كانت لحظة نزل فيها الناس وتساءلوا عمّا يحصل، بعدما كانوا قد فقدوا الأمل بالتغيير وتطبّعوا بالحالة. إذاً هي لحظة تحوّل على مستوى كل الوطن، والنساء جزء من هذا الكل. وترفض زعيتر القول بأن النساء نزلن إلى الشارع ويقدن التحركات الآن، لأن "مشاركة المرأة لم تبدأ في 17 تشرين".


المحامية منار زعيتر


وتعود المحامية في تحليلها إلى مراحل سياسية مفصلية سابقة في البلد حيث كانت النساء جزءاً من المنظومة ومن الحراك. "أما اليوم فالحالة أكبر ووسائل التواصل والإعلام تضيء أكثر على هذه الناحية". وهنا تجدر الإشارة أيضاً إلى الدور الهام الذي لعبته هذه الوسائل في توعية المرأة لحقوقها، وحثها على المطالبة بالمساواة ورفض الخضوع للرجل. ووفق زعيتر، "ففي مراحل مقاومة إسرائيل وخلال الحرب الأهلية عدد من النساء كنّ حزبيات وكنّ مقاتلات وتدرّبن عسكرياً. وهناك نساء كنّ من المحور الآخر الذي رفض الحرب الأهلية وناضلن من أجل السلم الأهلي. لكن منذ اتفاق الطائف إلى اليوم، كنا في حالة ركود سياسي وموت للعملية السياسية في البلد، ما انعكس على جميع الناس. كل الناس أُقصيت عن هذا الجو العام، ولأن السلطة كانت في يد مجموعة مكونة من 4 أو 5 أشخاص، كانت النساء مقصيّات أكثر من الرجال. رمزياً ضمت أحزاب رجالاً ونساءً لكننا كنا في مرحلة موت سريري لكامل المسار السياسي. أتت لحظة 17 تشرين وكأنها شكلت لحظة الصحوة من الغيبوبة. ولأن النساء أكثر من عانين في مرحلة الموت هذه ولأنهن تعرضن لإقصاء وقمع ممنهج ضدهن، خرجن بقوة وشاركن في التحركات. فبينما كان للرجال، نوعاً ما، فضاءاتهم، عانت النساء لأكثر من 30 عاماً من حالة قمع لحركاتهن في الحيز العام".

عوامل أخرى ساهمت في تغيير طبيعة المشهد، فقد شهدت الانتخابات النيابية الأخيرة أعلى نسبة مشاركة نسائية في تاريخ الانتخابات النيابية اللبنانية، مع ترشح 111 إمرأة من أصل 976 مرشحاً، 6 منهن فقط وصلن إلى البرلمان. وعلى الرغم من تراجع الأرقام، تعتبر زعيتر أن حركة الترشح اللافتة هي من تداعيات حراك العام 2015، حيث ترشحت مجموعات مدنية كانت النساء جزءاً منها. في مقابل هذا المشهد الذي ساهمت به مجموعات مدنية، تلفت المحامية إلى "مواقف رسمية واضحة من مجموعات سياسية في السلطة، كالمشايخ الدروز في راشيا الذين رفضوا ترشح النساء في الانتخابات البلدية. ونصرالله نفسه تحدث وقوقع فكرة مشاركة النساء في العملية السياسية. لكن النساء اليوم يكسرن كل شيء".


مطلب قديم ـ جديد ( فضل عيتاني)


وخلال الأعوام السابقة كانت المنظمات الدولية وغير الحكومية، والناشطات والمدافعات عن حقوق النساء يعملن على تعزيز مشاركة النساء في الشأن العام. وعلى الرغم من ملاحظات زعيتر على المسار الذي تتخذه، والرسائل والمقاربات التي تنطلق منها في فترات ومن مجموعات مختلفة، لكنها ترى بأن هذه الأمور تركت أثرها لحظة الصحوة في 17 تشرين، وتركت بصمتها في الوعي العام. "ففي الوعي العام ليس الموضوع جديداً. فمنذ سنوات نتحدث عن مشاركة النساء وإقصاء الأحزاب لهن، ودورها ومسؤوليتها في تعزيز مشاركة النساء وربط قضية المشاركة السياسية بقضايا العنف، لم تأت لحظة لتتجذر هذه التراكمات بالوعي العام. لكن لحظة 17 تشرين أظهرت أن العمل على وعي الناس ترك أثره. من جهة ثانية، وهي الأهم لحظة 17ت، هي لحظة صحوة في وجه هذا النظام السياسي وهذه السياسات الاقتصادية والاجتماعية. فالنساء جزء من منظومة لا يمكنهن البقاء خارجها، شكل الثورة وشكل المطالب وفلسفتها تفرض بمفردها على النساء أن يكنّ جزءاً منها ومن قياداتها، لأنهن مواطنات في الدرجة الأولى ولأنهن الأكثر تضرراً. وكل ما تم تكريسه تمّ تجذير كل أشكال العنف ضد النساء وإقصائهن. وتجذير السياسات الاقتصادية التي أفقرت البلد، سياسات التحرر والخصخصة والسياسات النيوليبرالية، تزيد من إفقار النساء وتزيد من أميتهن وتهميشهن في العملية الاقتصادية".

تحديات كبيرة تواجه الثورة عبر نسائها

إذاً، لدى النساء اليوم المصلحة في أن يقدن الثورة، "لأنهن صاحبات المصلحة الأساسية بنجاح الثورة. حيث تبين الأمثلة أنه وعندما حصلت ارتدادات في الثورات العربية التي شاركت فيها النساء، فإن اول شيء مست به هذه الأنظمة هي حقوق النساء، لأنها تدرك ان تحرر النساء يصنع انظمة حقيقية وديموقراطية، ويصنع دولة العدالة والقانون. يدركون أن تكريس دولة اللاعدالة واللاقانون آلية لإبقاء النساء في الموقف الدوني".

مشهد مشاركة المرأة بقوة وصلابة لا يخفي التحديات التي تواجهها. ولا تفرق المحامية بين التحديات التي تواجه الثورة وتلك التي تواجه المرأة. "التحديات القائمة ضد الثورة هي نفسها التي تطاول النساء وتطاول دورهن في العملية السياسية، فإذا تمكن هذا النظام من العودة إلى صلابته، وواضح أنه صلب وأن معركتنا معه طويلة، سيكون أحد التحديات أمام النساء فكرة العنف الجنسي الذي قد يستخدم كأداة لمنع النساء من المشاركة. وواضح أنهم كلما اختلفوا مع صحافية او مع نائبة يستخدم التنمر والعنف الجنسي والنقد من باب الشرف والعلاقات. هذه الأدوات هي إحدى التحديات التي ستظل تستخدم ضد النساء. النساء أنفسهن في الثورة يجب أن يتمتعن بالكثير من الذكاء، فنحن جزء من المطلب العام". 


على إيقاع الطناجر (فضل عيتاني)


وتشرح زعيتر الآلية التي تقترح اتباعها لمواجهة التحدي: "أولويتي في هذه اللحظة مسألة الحكومة، في هذه اللحظة سأكون جزءاً من العام الذي يطالب بهذا المطلب. في المقابل أنا نفسي، إذا بقيت الثورة والمسارات والفعاليات قائمة، سأرفع الصوت في كل لحظة. فليس جميع الثوار الرجال ممسكين بهذه المقاربة حتى أن بعضهم يرفضها، وبعضهم ذكوريون. سأستثمر كل دقيقة للمطالبة بإسقاط النظام الذكوري والقول بأن هذه السلطة أبوية وذكورية وديكتاتورية وظالمة، ولأقول أن السياسات الاقتصادية ذكورية والقول بأن هذه السلطة أبوية وذكورية وديكتاتورية وظالمة، ولأقول أن السياسات الاقتصادية ذكورية، وبأن النظام ذكوري. أي أن ألعب دوري كامرأة وألا أضيّع قضايا النساء. ففي تجارب الثورات السابقة كانت تضيع بالعام تحت ذريعة انه لم يحن الوقت. في المقابل لا أريد الآن تحويل كل النساء لمنظمات غير حكومية وكأن مطالبهن تقتصر على الحماية من العنف الجنسي. مقاربة ذكية وواضحة بمعنى أنه عندما أطرح قانوناً مدنياً أطرحه كجزء من نضال سياسي غير مرتبط فقط بالنساء. أيضاً عندما أطرح حماية النساء من العنف الجنسي، فإنني أطرحه كجزء من النضال السياسي، لأن العنف الجنسي أداة من أدوات السلطة لقمع الثورة. بهذه الطريقة يجب أن يتجه الخطاب السياسي في المرحلة المقبلة"...


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.