رمال جوني -

الحراك الجنوبي يدوّر الزوايا في ثورته لتفادي المواجهة... المواطنون يجمعون الخردة

4 دقائق للقراءة
عملية فرز للنفايات بين البيئي والاقتصادي

يُشغل الحراك في النبطية نفسه بالندوات، مع الابقاء على بنك الأهداف نفسه: مصرف لبنان ومؤسسات الدولة، من دون أن يتنصل من "هموم الناس المعيشية"، أو يحيد عن أهدافه الأساسية التي تبدأ بتغيير الأنظمة الاقتصادية والمالية والاجتماعية التي أوصلت البلد إلى الهلاك، وحرمت الشباب من فرص العمل.

ويقيم الحراك توازناً لهوية المدينة، يدرك جيداً انه "ممنوع" تجاوز الخطوط الحمر، فيحرص على اختيار شخصياته الحوارية وعناوين المحاضرات بدقة، يضرب على وتر الاوضاع المعيشية فهي نبض حراكه، ويؤكد انتماءه المطلق لخط "المقاومة"، ويفندها قسمين "مقاومة الاحتلال ومقاومة الصراع الاقتصادي". ويعيش الحراك حالة مد وجزر، تارة تدور محركاته باتجاه الاعتصامات وطورا تخفت، ويذهب أحدهم الى القول "يقيم الحراك حساباً للاحزاب، فـ 80 بالمئة من السكان للاحزاب".

من هنا يلحظ المراقب حجم التراجع الشعبي في الساحات، لم يبق في الساحة غير الحزب "الشيوعي" وبعض اليساريين والمستقلين، وهم لا يشكلون اي تأثير فعلي، ومع ذلك يحملون درب تحرير المجتمع من براثن الفاسدين ومتسلقي الحراك.

يشكل الشباب العمود الفقري لحراكي كفررمان والنبطية، جلهم ممن يحملون إجازات جامعية، وكلهم بلا عمل، خرجوا ليطالبوا بحقهم بوظيفة، حرموا منها بسبب نظام الواسطة بدلا من نظام الكفاءة، ويؤكد حسن انه "من المطالبين بتوظيف الكفاءة، لانهم ركيزة التغيير، يملكون طاقات وأفكارا تمكن لبنان من الخروج من أزمته".

يضرب مثلاً: "شاب من بلدة شبعا تألق في الاغتراب، تبوأ مركزاً مرموقاً، للأسف لبنان يحرمه منه"، ويسأل "لماذا يكرم الشباب اللبناني في الاغتراب وفي وطنه حقه مغبون".

الأزمة المعيشية

لا يوجد بوادر حل لأزمة الناس المعيشية، فالوضع يزداد سوءاً، يعيش الناس على "أمل حل" ما زال عالقاً في زوايب السياسة، كل الرهان على حكومة قريبة، وسعر صرف الدولار يتأرجح صعوداً وهبوطاً يطيح بكل آمال المواطن بحل مرتقب.

يرمي أحدهم باللائمة على " الشعب نفسه" فهو الذي اطاح بزمن الحساب، لم يجرؤ على دفاعه عن حقه، لم يتعلم من انتفاضة التبغ التي استعاد بموجبها الشعب حقوقه المهدورة.

يحاول ابو محمد صاحب أحد الدكاكين ان يقلب الاوضاع، لا ينكر الرجل الخمسيني ان "الوضع على كف عفريت، وان الغلاء وسّع طبقة الفقراء"، لكنه يؤكد انه "سيبيع بالرسمال، رأفة بالناس، يدعو الله للرحمة" ويأمل ان "يراعي الناس ظروف بعضهم".

لم يلجأ أبو محمد إلى رفع الاسعار أسوة بغيره، يفضّل الحفاظ على سعرها، "فالناس لا تملك قوت يومها، هل نزيد الضغط عليها؟" ويبدو أنه يغرّد خارج السرب، فمعظم التجار يستغلون الأزمة لتحقيق مزيد من الأرباح، غير أنه يثبت قاعدة "محاربة الفساد تبدأ من ذاتنا، اذا رفعت الاسعار، انا فاسد، فكيف اطالب برحيل الفاسدين وانا منهم؟".

بالتوازي نشطت في الآونة الاخيرة، مهنة جمع الخردة، يزاولها كثر من ابناء اليوم، هرباً من البطالة، بعضهم يستأجر بيك أب، وآخر يجمع عبر عربة، يقصدون القرى بحثاً عن تنك وحديد وبلاستيك.يزدهر قطاع الخردة، على عكس باقي القطاعات، لا سيما بعد لجوء عدد من الاهالي الى جمعها، وبيعها، كمورد رزق، اذ يحاول المواطن ان يخرج بحلول آنية لمواجهة أزمته الاقتصادية.

وفق العاملين في هذا القطاع، فإن شريحة لا بأس بها من الناس تجمع التنك من الحقول لتبيعها، وهذا مؤشر سلبي نسبياً، يدل على هول الواقع المتردي.

قديما كانت المهنة مرتبطة بأبناء "هونين" احدى القرى السبع، المحتلة. تبدد المشهد اليوم وبات كل عاطل من العمل يجمع تنكاً، ونحاساً، فالسوق يحتاج مادة أولية، وأغلب المصانع تلجأ الى تدوير المواد الصلبة للحصول على مادة اولية اقل تكلفة من المستوردة، وهذا شكل حافزاً للعديد من الاهالي كما البلديات لإعادة فرز النفايات، لناحيتين: الاولى بيئية لتخفيف وطأة النفايات وآثارها السامة، والثانية اقتصادية لاعادة بيعها.

على صعيد آخر يواجه الاهالي أزمة دفع أقساط المدارس، وبات عدد من التلامذة مهدداً بالطرد، فوفق والد اأحد التلامذة "مدراء المدارس الخاصة لا يرحموننا، يتعاملون بتجارة معنا، تناسوا ان المصارف حجزت أموالنا، يريدون الدفع الفوري، المشكلة ان الكل يتعاطى بفوقية مع هذه المعضلة"، يرمي باللائمة على غياب قانون يحمي الاهالي من جشع تجار المدارس: "يهددوننا بطرد التلاميذ، او تلويح الاستاذة بالاضراب، يضربوننا على اليد التي توجع".

بالتوازي برزت أزمة الاساتذة في التعليم الخاص، يشكون من دفع نصف مرتب لهم، يقول احدهم: "لا يكفي ما نواجهه من اعباء معيشية، حتى صدر فرمان الادارة بدفع نصف المعاش، بحجة لا اموال"، ويلوح الاساتذة بالاضراب للمطالبة بحقهم.