توفيق شمبور

هي مسؤولة أيضاً عن الأزمة المصرفية... مثلها مثل مصرف لبنان

إعادة هيكلة لجنة الرقابة على المصارف... مطلب إصلاحي عاجل

26 أيلول 2022

02 : 00

أين كانت اللجنة عندما خاطرت وغامرت وقامرت المصارف ؟

*لم تعترض على تمركز توظيفات وإيداعات المصارف بالعملات الاجنبية لدى القطاع العام

*لم تطالب المصارف بتكوين مؤونات إحترازية لمقابلة هذه التوظيفات في أدوات عالية المخاطر

*غضّت النظر عن مبالغة المصارف في تسليف طويل الأجل بسندات وشهادات وإيداعات عامة

*شبهة: في اللجنة الحالية والمعنية بإعادة هيكلة البنوك تمثيل للمصارف المطلوب هيكلتها!

*الهيئة البديلة المقترحة تجتمع لديها الصلاحيات المبعثرة حالياً بين 6 جهات مختلفة

*الإنتقال من الرقابة القطاعية والمجزّأة إلى الرقابة المجمّعة بكفاءات متخصصة تحت سقف واحد

*تمثيل جمعية المصارف في لجنة الرقابة... يرسخ البنكوقراطية وتضارب المصالح


مشروع إعادة هيكلة مصرف لبنان، بحصر مهمته الاساسية بالاستقرار النقدي واعفائه من مهمة تنظيم النشاط المصرفي، والمقترح على انه من قبيل اخذ العبرة من الازمة المالية الراهنة وايضاً للتحوط من ازمات مالية مستقبلية، يستدعي حكماً اعادة هيكلة لجنة الرقابة على المصارف. سيما ان الاخيرة منتقدة

(1) لعدم اعتراضها بتمركز توظيفات وايداعات المصارف خصوصاً بالعملات الاجنبية لدى القطاع العام، بالرغم من تحذير صندوق النقد الدولي لجهة الانكشاف المصرفي على هذا القطاع الذائع الصيت بالفساد، وعدم مطالبتها المصارف بتكوين مؤونات مقابلة احترازية لهذه التوظيفات.

(2) لغضها النظر عن تحول المصارف التجارية الى مصارف تسليف طويل الاجل بسبب توظيفها للنسبة الاكبر من مواردها بسندات وشهادات وايداعات عامة.



الاطار القانوني المقترح

إعادة الهيكلة المقترحة للجنة الرقابة على المصارف تقوم على فكرة تحويلها الى «هيئة للاشراف والرقابة المالية «، على غرار الـ FINMA السويسرية التي استحدثت لتجتمع لديها مهام التنظيم والاشراف والرقابة على القطاعين المصرفي والمالي في البلاد، بهدف مواكبة الاحداث والتطورات العالمية. فاندمجت في اطارها ثلاث هيئات كانت قائمة للاشراف والرقابة على عمليات التأمين OFAP والمصارف CFB ومكافحة تبييض الاموالAdC LBA. والشكل المناسب لهيئة الاشراف والرقابة المالية المقترحة، يشار اليها لاحقا بـ»الهيئة»، هو ان تؤسس كشخص معنوي من اشخاص القانون العام مستقل ادارياً ومالياً. يتولى من خلال لجان متفرعة عنه صلاحيات التنظيم والاشراف والرقابة على جميع شؤون المؤسسات المصرفية وشبه المصرفية وشتى المؤسسات المالية، بما فيها شركات التأمين والمؤسسات العاملة في الاسواق المالية وغيرها.

(1) منح تراخيص ممارسة المهنة

(2) وضع قواعد العمل

(3) مراقبة حسن تطبيق هذه القواعد بما فيها قواعد التحوط من الانغماس بالعمليات غير المشروعة

(4) ملاحقة المخالفات امام الهيئات والسلطات الادارية والقضائية المختصة.

وتكون هناك آلية تواصل وتعاون قوية بين مصرف لبنان تؤمن تزويد كل فريق منهما الآخر بالمعطيات الآنية والدقيقة عن المعلومات التي يحتاجها لتحقيق مهامه. وفوق ذلك تحقيق مهمة مشتركة للفريقين هي الاستقرار المالي بأعمدته الثلاثة وهي:

(1) التأكد من صلابة اوضاع المصارف الكبرى المؤثرة على الاستقرار

(2) فعالية الانظمة ذات الصلة مثل نسب الاموال الخاصة والسيولة

(3) فعالية الادارة المشتركة للازمات.

آلية التواصل والتعاون يمكن ان تأخذ صوراً متعددة. فقد تكون (1) بتكليف حاكم المصرف المركزي ترؤس لجنة فرعية او اكثر من «الهيئة» كما هو الامر في كل من فرنسا وبلجيكا، او(2) بوجوب دعوة رئيس «الهيئة» الى جلسات المجلس المركزي لمصرف لبنان الناظرة في القضايا ذات الصلة بالاستقرار المصرفي والمالي، للمشاركة في النقاش لا التصويت كما هو الامر في المانيا، او (3) بابرام مذكرة تفاهم بين المصرف و»الهيئة» يتم بمقتضاها تشكيل لجنة دائمة للتواصل لتحديد المعلومات التي يجب تبادلها بين الفريقين كما هو الامر في سويسرا.



مبررات اقتراح «هيئة الاشراف والرقابة المالية»


التوجه المقترح، بتجميعه الصلاحيات الست المبعثرة ما بين مصرف لبنان (في ما خص التنظيم والاشراف المصرفي) ولجنة الرقابة على المصارف والهيئة المصرفية العليا وهيئة التحقيق الخاصة وهيئة الاسواق المالية ووزارة الاقتصاد والتجارة، بيد هيئة متخصصة ومتفرغة للشأنين المصرفي والمالي، يستجيب لطلبات وردت في تقارير لصندوق النقد الدولي بشأن ضرورة توفير اطار قانوني اكثر التزاماً ووضوحاً بالحماية الاحترازية الكلية والجزئية للنظامين المصرفي والمالي، من التعبير الانشائي الوارد في المادة 70 من قانون النقد والتسليف والذي هو «المحافظة على سلامة النظام المصرفي... وتطوير الاسواق النقدية والمالية و...»

إن التجميع المقترح وعماده فصل النشاط المصرفي عن مصرف لبنان هو خلاصة تجارب اثبتت مراراً وتكراراً ان تكليف المصرف المركزي بأي مهمة اخرى غير استقرار النقد سيكون بالتأكيد على حساب مهمته المحورية ومصداقيته وسيزيد من دائرة اهتماماته وايضاً مساءلته، مما يشكل بالنهاية ضغطاً على استقلاليته التي باتت تعتبر لدى العديد ملكية عامة avoir public بامتياز.

فتكليف المصرف المركزي بمهام الاشراف على النشاط المصرفي، ولو في الاطار الكلي والتنظيمي، سيضغط عليه عند معالجة اية انتكاسة مصرفية الى انتهاج سياسة نقدية قد لا تكون مبررة على صعيد الاستقرار النقدي. وسيكون هناك تمويه في النجاحات والاخفاقات لان نتائج القرارات التي تتخذ في المجال المصرفي هي اسرع ظهوراً واكثر وضوحاً من القرارات النقدية، التي غالباً ما تتأخر آثارها في الظهور بعض الوقت، وربما تأخر الحكم على صوابيتها او خطئها الى حتى ما بعد ولاية المسؤولين عنها. والدليل الذي يقدم في هذا المضمار، هو الحاكم الاميركي السيد Alan Greenspan، فسياساته الكارثية بتخفيض الفوائد ظهرت نتائجها، بعد تركه منصب الحاكمية الذي شغله لمدة 19 سنة، بانفجار ازمة الرهونات العقارية عام 2008... ومعروف ان المؤسسات المصرفية تستهويها عادة فكرة تكليف المصرف المركزي مهمة الاشراف على شؤونها، لانه سيزيد من دائرة امكانية تدخله لمساعدتها عند الضرورة لجبه اي اتهام له بالتقصير في اعمال الاشراف.

حسنات الاقتراح

حسنات تجميع لجان الاشراف والرقابة على مؤسسات وعمليات وادوات التسليف والتأمين والاسواق المالية في هيئة اشراف ورقابة عامة واحدة autorité intégrée et unique عديدة وهي:

1) فالتجميع امر تتطلبه الارتباطات العضوية القائمة بين المؤسسات والعمليات والادوات المالية وتتسع دائرة الاخذ به، بشكل او بآخر، في الدول المتقدمة. وهو سينقل لبنان في حال اعتماده من الرقابة القطاعية والمجزأة الحالية sectorielle et fragmentée نحو الرقابة المجمّعة او الواحدة intégrée et unique. ما من شأنه تجميع الكفاءات المتخصصة تحت سقف واحد، فتزيد فعالية الرقابة وسرعتها ومرونتها خصوصاً بالنسبة لتقييم اوضاع وعمليات التجمعات التي تضم مؤسسات مصرفية ومالية متنوعة، او لها تفرعات او تقاطعات او ارتباطات داخلية وخارجية.

2) يخفف التجميع من الفجوات والازدواجية والتشابك في عمليات الاشراف والرقابة. ويقدم وسيلة للتجاوب بفعالية وسرعة اكبر مع تطورات السوق والابتكارات المصرفية والمالية.

3) يقدم توحيد التنظيم والاشراف والرقابة إمكانية افضل للتعاون ولتبادل المعلومات مع المؤسسات المحلية والدولية، ويحقق انظمة مساءلة افضل عن فعالية الاشراف والرقابة من قبل السياسيين والجمهور واصحاب الصلة بالقطاع المالي بجميع تفرعاته، ويخفض تكاليف البنية التحتية للرقابة مما يؤدي الى تخفيض في النفقات العامة.



مضمون الاقتراح

(اولاً) تأسيس «هيئة الاشراف والرقابة المالية»

تؤسس «الهيئة» على شكل هيكلية ادارية عصرية تقوم على مقتضيات الحوكمة الحديثة والتي من اهمها فصل مرجعية وضع الاستراتيجيات والانظمة العامة عن تنفيذها وادارة الاعمال اليومية، وايضاً عن الجهة المولجة بالرقابة الداخلية لانتظام الامور في اعمال الهيئة.

وتكون «الهيئة» ملزمة باعداد تقرير ادارة سنوي عن اعمالها وتقرير آخر عن اوضاع المؤسسات التي تشرف عليها، ترفعهما الى المجلس النيابي ومجلس الوزراء. ايضاً تخضع «الهيئة» لرقابة وتقييم ديوان المحاسبة فلا يكون هناك تساؤل لا جواب عليه عمن يراقب المراقب؟

أيضاً تقضي قواعد الشفافية ضرورة نشر «الهيئة» لنظام عملها وتعديلاته امام الجمهور في الجريدة الرسمية وعلى موقعها الخاص على شبكة الانترنت، كما تفعل ذلك هيئات الرقابة المصرفية والمالية في عدد من الدول في مقدمها اللوكسمبورغ، واعداد «الهيئة» تقريراً سنوياً عن اعمالها ترفعه الى مجلس الوزراء لانه من قام بتعيينها، وهو المرجع الدستوري لسياسات الدولة التي تنتهجها من خلال المؤسسات والهيئات العامة التي ينشئها المجلس، كما يقتضي نشر التقرير لاطلاع الجمهور لان من المعلوم ان الشفافية هي المقابل لاي استقلالية تمنح في العمل. ويجب ان يتضمن التقرير الخطوط العريضة لسياسات «الهيئة» المعتمدة واهداف هذه السياسات والاقتراحات والايضاحات التي يتعين اعلام الجمهور بها حفاظاً للمصلحة العامة.

وأخذ «الهيئة» المبادرة بنشر التقارير وتأدية الحساب عن اعمالها بشكل شفاف امام السلطة السياسية والجمهور مطلوب بمقتضى المبدأ الاول من «المبادئ الاساسية للرقابة المصرفية الفاعلة» الصادر عن لجنة بازل عام 2006. ومع هذا تتخلف لجنة الرقابة على المصارف في لبنان عن نشر اي تقرير عن اعمالها ونظام عملها مستندة الى عدم وجود نص قانوني واضح يلزمها بذلك. على خلاف ما تقوم به هيئة التحقيق الخاصة التي تنشر حالياً تقريراً سنوياً عن اعمالها وان لم يكن غير مطلوب بقانون انشائها وغير معد بشكل اصولي لرجحان الطابع الاحصائي عليه.

(ثانياً) إدارة «الهيئة»

تلحق بـ»الهيئة» لجنة تكون مستقلة عنها كلياً يختار المجلس النيابي نصف اعضاءها ومجلس الوزراء النصف الآخر، وذلك من شخصيات اكاديمية مشهود لها في مجالات الاختصاص ذات الصلة بأعمال المصارف والمؤسسات والاسواق المالية وادواتها. يرأس اللجنة قاض منتدب من مجلس القضاء الاعلى لمدة لا تتعدى الخمس سنوات. تكون مهمة اللجنة تلقي الطلبات من المعنيين من الجمهور الذين يودون الترشح لشتى المناصب المعلن عن شغورها في «الهيئة»، وعقد جلسات استماع معهم تنظم بنهايتها خلاصات بالتحليلات والتصورات المستقبلية المعروضة من قبل المرشحين.

تضع اللجنة تقريراً بالمرشحين الذين تقدموا لتبوؤ كل منصب شاغر او منصب بديل ( اي رديف) كما هو الامر في هيئة التحقيق الخاصة: شهادات كل مرشح وكفاءاته العلمية والمهنية، وتجنباً لاثارة شبهة تعارض المصالح او اساءة استعمال النفوذ او اية شبهات اخرى... اواصر النسب التي لا يجب ان تقل عن الدرجة الثالثة او المصاهرة بأحد السياسيين المعنيين بقرار التعيين وبآليته، او بأحد كبار مساهمي مصرف عامل، او مؤسسة مالية او شركة تأمين في لبنان، او بأحد رؤساء او اعضاء مجلس ادارة المؤسسات السابقة. ويشمل التقرير نتيجة المقابلة المجراة معه وتقييم «الهيئة» للمقابلة. ويختار مجلس الوزراء المناسب من المرشحين المقبولين من الهيئة لولاية واحدة على ما اوصى به احد تقاريرالـ IFC عن لبنان.

التوجه المقترح يلبي متطلبات الاستقلالية والجدارة والشفافية والمساواة امام القانون، وهو يفضل بكثير عن الوضع الراهن الذي اسس له قانون رقم 28 لعام 67 الذي خلق لجنة الرقابة على المصارف، فهو اي التوجه المقترح (1) اكثر ديمقراطية لانه يفتح المجال امام جميع الكفاءات للترشح للمناصب العامة و(2) اكثر قابلية لاختيار افضل الكفاءات بحيث يتم اختيارها من قبل اكاديميين اخصائيين، لا باقتراح سياسي من قبل وزير المالية او من قبل جمعية المصارف او مؤسسات الضمان وغيرها... و(3) اكثر توافقاً مع المنطق من الوضع الحالي الذي يجعل المراقب (بضمة فوق الميم وفتحة فوق القاف) في وضع يختار فيه من سيراقبه، و(4) والاهم يبعد جمعية المصارف عن اقتراح تسمية من يمثلها كما هو الامر قائم حالياً بالنسبة لها ولمؤسسة ضمان الودائع، والامر الاخير منتقد لانه يرسخ البنكوقراطية في البلد. فمثلا جمعية المصارف ومؤسسة ضمان الودائع سيعملان بالتأكيد لصالح اعضاء الجمعية اي المصارف اي لصالح مصالح خاصة او منافع تعاونية. في حين ان المطلوب هو العمل للصالح العام كما يرى البروفسور Christian Gavalda استاذ القانون المصرفي الفرنسي الشهير، الذي ذكر سبباً آخر لابعاد ممثلي المصارف عن اية هيئة معنية بالتنظيم والاشراف والرقابة المصرفية والمالية، وهو ان الاخيرة مدعوة لممارسة «سلطة عامة» مضمونها مراقبة عملية استئثار المصارف بعملية خلق النقد المصرفي monnaie scripturale التي لا تملكها سائر المؤسسات الاقتصادية الاخرى.

الموضوعية تقضي بالاشارة الى ان بعض الدول تفضل على اقتراح اللجنة الاكاديمية في اختيار المرشحين، وهو ما اعتمدته اسرائيل بناء على توصية الحاكم Stainly Fisher النائب الاسبق لصندوق النقد الدولي، اقتراح آخر هو موافقة لجنة خاصة لدى المجلس النيابي تصدر قرارها بأغلبية وبشروط معينة بعد الاطلاع الدقيق على تحليلات المرشح للامور وتصوراته المستقبلية. وحجة الاقتراح الاخير حفظ دور ما للمجلس النيابي في المسائل المتعلقة بتعيين مسؤولي المصارف المركزية وهيئات الاشراف والرقابة المصرفية والمالية، وبصورة أعمّ المسؤولين المدعوين لممارسة مهام ذات طابع دستوري او سلطات عامة باسم الدولة وعلى مسؤوليتها دون خضوع لأي تراتبية ادارية توافق على قراراتهم.

أدبيات اعضاء «الهيئة»


أخيراً يتعين من اجل حفظ نزاهة ومصداقية وحياد واستقلالية اعضاء «الهيئة»

1) إدراجهم من ضمن طائفة الاشخاص المحظر على المصارف اقراضهم هم واسرهم بمقتضى المادة 152 من قانون النقد والتسليف.

2) تثبيت حظر عمل هؤلاء الاعضاء طوال سنتين من تاريخ انتهاء الوظيفة في اية مؤسسة تخضع لرقابة ( الهيئة) او شغل اي وظيفة او المساهمة بأي شكل من الاشكال فيها نظير تقاضي اجر او تعويض مدة السنتين المذكورتين، تماماً كما هو الامر بالنسبة لحاكم مصرف لبنان ونوابه، مع تعيين الجهة التي تتابع حسن التقيد بالحظر الاخير وتحديد جزاء المخالفة.

3) توسيع دائرة ما يعتبر منفعة يحظر على عضو «الهيئة» الاحتفاظ بها او تلقيها لتشمل كل تعامل مالي يمكن ان يتلقاه هو او افراد اسرته من مؤسسة تخضع لرقابة «الهيئة».

4) وضع قواعد سلوك وادبيات صارمة يتعين على اعضاء (الهيئة) التقيد بها ويمكن هنا التفكير بالانطلاق من تلك المعتمدة من قبل الـ FINMA السويسرية والتي تقضي بتعيين مؤتمن fiduciaire واحد او اكثر يتولى ادارة الذمم المالية لاعضاء (الهيئة) طوال مدة الولاية، تحديد ظروف قبولهم الهدايا والدعوات وتعيين الجهة التي تراقب دقة التقييد بقواعد السلوك والادبيات وغيرها...

مهامّ إضافية خاصة

حسن قيام «الهيئة» بمهامها على الوجه الافضل يتطلب منحها صلاحيات غير متوافرة لدى الكيانات التي تم تجميعها لتأسيس هذه «الهيئة» أهمها التالي:

1) تكليف «الهيئة» مسؤولية متابعة حسن التقيد المؤسسسات التي تخضع لها بقواعد العمل المتفق عليها مهنياً او المتعارف عليها بما فيها حسن التقيد بمصالح المستهلكين في مجال الخدمات المالية المنصوص عليها في القوانين والانظمة، وهذا من اهم الدروس والعبر المستخلصة من ازمة الرهونات العقارية الاميركية عام 2008.

2) إعطاء «الهيئة» الحق بالاعتراض لدى المؤسسات التي تخضع لرقابتها على تعيين وتجديد ولاية اعضاء مجالس ادارتها ومفوضي المراقبة على عملياتها واعمالها.

3) تمكين «الهيئة» من تكليف مفوضي مراقبة معتمدين من قبلها للقيام بعمليات تدقيق معينة لصالحها، ليس فقط لدى المؤسسات الخاضعة لرقابتها وايضاً لدى الاشخاص الذين تثور لديها الشبهات حول قيامهم بمزاولة عمليات هؤلاء الاخيرين من دون ترخيص على غرار ما تفعله الـ FINMA السويسرية. ويكون التكليف على اساس الوكالة وضمن اطار القانون الخاص بالرغم من ان نشاط «الهيئة» يدخل في اطار القانون العام.

4) تكليف «الهيئة» مسؤولية متابعة المخالفات التي تثار من قبلها امام الهيئات الادارية والقضائية على غرار ما تقوم به العديد من هيئات الرقابة الاوروبية. وهذا الامر يقدم مبرراً اضافياً لرفض فكرة وجود اعضاء مقترحين من جمعية المصارف او مؤسسة ضمان الودائع او غيرها في «الهيئة» وفي الهيئة المصرفية العليا كما هو قائم حالياً بمقتضى القانون 28 لعام 67 لتجنب تضارب المصالح.

5) اخضاع الشركات التابعة والشقيقة للمؤسسات المصرفية وشبه المصرفية والمالية والاشخاص الذين يتحكمون بصورة مباشرة وغير مباشرة بادارة هذه المؤسسات لرقابة «الهيئة».

(*)استاذ محاضر في قوانين النقد والمصارف المركزية

مسؤولية الدولة وأعضاء «الهيئة»

تحصرالاحكام القانونية الحالية الخاصة بلجنة الرقابة على المصارف الكلام عن مسؤولية اللجنة واعضائها بالشق الاداري وبشكل مثير لللبس. فقانون انشاء اللجنة يشير الى اخضاع اعضائها للمادة 19 نقد وتسليف، التي تنص عن امكانية اقالتهم من قبل مجلس الوزراء بسبب «الخطأ الفادح». اما المرسوم الاشتراعي رقم 43 تاريخ 5/8/67 الخاص بمسؤولية اعضاء اللجنة فيعتبر العضو، خلافاً لما سبق، مسؤولاً فقط اذا اخلّ عن «قصد او اهمال» بالموجبات المفروضة عليه بموجب القوانين والانظمة النافذة»؟.

هذا ولا تتضمن الاحكام القانونية المتعلقة بلجنة الرقابة على المصارف اية اشارة خاصة الى اي مسؤولية تقصيرية، اي الى مسؤولية الدولة والتي يمكن للمودعين إثارتها على اساس الضعف في الرقابة على المصرف الذي ادى الى توقف الاخير عن الدفع وافلاسه، توصلاً للحصول على التعويضات التي لا تغطيها مؤسسة ضمان الودائع على غرار ما حصل في قضايا رفعت ضد عدد من هيئات الرقابة الاوروبية: المكتب الاتحادي الالماني للاشراف على المصارف، اللجنة الاتحادية السويسرية للمصارف ولجنة الرقابة المصرفية الفرنسية وغيرها...

لقد كشفت القضايا المرفوعة عدم وجود اتجاه واحد مشترك في جميع البلدان السابقة في ما خص قبول المسؤولية المدنية التقصيرية لهيئات الرقابة او رفضها، عززه قرار صدر عن المحكمة العليا الاوروبية في 12 ت 2004 اوضح بان احكام الاتحاد الاوروبي الخاصة بالمصارف لا تمنع دولة عضو من ان تعفي هيئات الرقابة لديها من كل مسؤولية مدنية حتى في حال «الخطأ الجسيم» تجاه عملاء المؤسسة المراقبة.

فالقوانين الانكليزية والايرلندية مثلا تنص على حصانة شبه كاملة لصالح هيئات الرقابة ضد ادعاءات المودعين. بالمقابل لا تقدم تعويضات اضرار عن اعمال الرقابة في المانيا ابتداء من عام 1984 الا عند تخلف الهيئات المولجة بالرقابة بالقيام بواجبات محددة. أما بلجيكا فانها تقر بالمسؤولية التفصيلية للجنة الرقابة على المصارف عن الاضرار المادية التي قد تلحق بعملاء المؤسسات الخاضعة لرقابتها او بالغير، شرط اثبات ان الضرر كان سببه «الاهمال الجسيم» graves et lourdes في اختيار او تطبيق وسائل معتمدة في أداء مهمة الرقابة. ذات التوجه تعتمده كلّاً من اللوكسمبورغ سنداً لقانون صدر عام 2008 وفرنسا سنداً لقرار صدر عن مجلس الدولة في 30 ت2 2001. وقد أوضح منطوق القرار الاخير ان تقرير المساءلة عند «الخطأ الجسيم» يعزز الثقة بالنظام المصرفي والمالي، لان القبول بالخطأ البسيط من شأنه ان يعرقل اعمال الرقابة. وهذا التوجه في تقرير المساءلة يوفر حلاً عادلاً ومتوازناً بين متطلبات الرقابة الفعالة وهامش المناورة لصالح المودعين والغير من صغار الدائنين والمساهمين. وهذا ما يقتضي الاخذ به في معرض النقاش عن توزيع المسؤوليات القانونية في ما خص الازمة المالية اللبنانية، علماً ان مسؤولية الدولة وممثليها في هذه الازمة هي مسؤولية فريدة ندر نظيرها، فهي مثلثة (1) تقصير في التنظيم والاشراف (2) تقصير في الرقابة (3) وتقصير في رد الدين العام المستحق لاصحابه.

جدير بالذكر ان بعض الدول ككندا تترك الخيار للمودع والمتضرر، اما بمخاصمة الدولة او بمخاصمة ممثليها في التنظيم والرقابة المصرفية شخصياً على اساس المسؤولية التقصيرية.

الخلاصة

إعادة هيكلة لجنة الرقابة على المصارف بدمجها في «الهيئة» المقترح انشاؤها اعلاه امر حيوي جداً في الظروف الراهنة. فاعادة هيكلة المصارف هي من العناوين الاصلاحية المطروحة في اتفاق الموظفين مع صندوق النقد الدولي، والمفروض ان تتم تحت اشراف مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف حيث سيتم تحديد مصير كل مصرف بالاستناد الى تقارير اللجنة الاخيرة بشأنه...

من هنا فان اعادة هيكلة لجنة الرقابة على المصارف بداية من خلال دمجها في «الهيئة» هو بالحقيقة لرد اي اعتراض قد يثار في ان عملية اعادة هيكلة المصارف تحمل تضارباً في المصالح على اعتبار ان في لجنة الرقابة على المصارف من يمثل مصالح خاصة هي مصالح المصارف المطلوب اعادة هيكلتها، والتوجه المعتمد عالمياً بعد ازمة 2008 هو ضرورة تجهيز هيئات التنظيم والاشراف والرقابة المصرفية والمالية وحتى المؤسسات المصرفية والمالية ذاتها بادارات تحمي مصالح وحقوق المستهلكين، بالاخص المودعين. وهذا ما هو ليس متوافراً في التشكيل الحالي للجنة الرقابة على المصارف المندوبة للاشراف على اعادة هيكلة المصارف على عكس ما هو مطروح في «الهيئة» المقترح انشاؤها حيث تتضمن هيكليتها جهازاً خاصاً لحماية مصالح وحقوق المستهلكين في المصارف والمؤسسات المالية في مقدمهم اصحاب الودائع !


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.