وظائف مُربحة للّاجئات السوريّات في الأردن

11 : 08

لاجئات سوريات يعملن في معمل بالأردن
تبذل مئات آلاف النساء السوريات قصارى جهدهنّ لإعالة أنفسهنّ بعد الهرب إلى الأردن في السنوات الأخيرة، فيعملن في مجال السباكة أو خياطة أغطية الوسائد في شركة مفروشات ضخمة ومتعددة الجنسيات. شبيغل التقت ببعض تلك النساء وتكلمت معهن عن صعوبات التأقلم والاشتياق الى الوطن والمشاكل التي يواجهنها في مجتمع غريب عن الثقافة العربية.

بدأت رحلة صفاء سكرية لإنشاء شركتها الخاصة بسوء تفاهم. كانت تظن أن ورشة العمل في مخيم اللاجئين في الأردن تتعلق بحياكة الشِباك. لكن سرعان ما تعلّمت إصلاح الصنابير المتضررة وفتح الأنابيب المسدودة. اختلط عليها معنى "الشِباك" و"أعمال السباكة"، فوجدت نفسها في حصة تدريبية عن الصرف الصحي وهي في بداية الأربعينات من عمرها.

في بلدها الأم سوريا، كانت قد درست الفنون ولم تشارك يوماً في أعمال السباكة. لكنها هربت من الغوطة الشرقية، في ضواحي دمشق، في العام 2012 قبل بدء الحرب، وتقيم في الأردن منذ ذلك الحين.

أنهت صفاء تدريبها في ورشة العمل في العام 2015 واستمتعت به لأقصى حد. ثم اكتشفت ثغرة في السوق: هرب عدد كبير من النساء من سوريا من دون أزواجهنّ. وبنظر معظم النساء العازبات في الأوساط السورية المتحفظة، لا يمكن السماح لأي رجل غريب، سواء كان عامل صيانة أو غير ذلك، بدخول المنزل. برز دور سكرية في هذا المجال تحديداً. أحالت منظمات الإغاثة التي تهتم بالنساء العازبات أوائل العملاء إليها. تقول سكرية بكل فخر: "قمتُ بأولى الأعمال مجاناً، لمجرّد اكتساب الخبرة. ثم بدأتُ أتلقى المال لتغطية تكاليف التنقل. اليوم، أرسل الفواتير إلى العملاء".



فاتن طحان


تدير سكرية الآن شركتها الخاصة مع فريقَين في مدينتَي إربد والمفرق في شمال الأردن. هي تُشغّل ثلاث موظفات دائمات و17 أخريات على حسابهنّ الخاص. جميعهنّ نساء من اللاجئات السوريات. كان عدد منهنّ جزءاً من العملاء في البداية ثم أبدَيْنَ اهتمامهنّ بالعمل في السباكة. العمل كثيف هناك، ولا يكف هاتفها عن الرنين لتلقي طلبات جديدة.

تُدرّب سكرية الموظفات بنفسها. يتطلب التدريب ثلاثة أشهر وهو مجاني. تتلقى الدعم من "الجمعية الألمانية للتعاون الدولي" ومبادرة "شمال ستارت" التي تدعم أصحاب المشاريع في شمال الأردن. فيما تنشغل الحكومة الأردنية بمحاولات دمج الرجال في سوق العمل، تضطر منظمات الإغاثة الخارجية والمحلية للتعامل مع دمج النساء.

إقامة دائمة

تُعتبر شركة سكرية قصة نجاح نادرة في الأردن. وفق المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، يُسجَّل حتى الآن أكثر من 650 ألف لاجئ سوري في الأردن. ورغم توقف القتال في أجزاء كبيرة من سوريا، لا يريد أحد العودة إلى بلاده. هم يخشون نظام الأسد. فُتِحت الحدود بين البلدَين مجدداً منذ سنة تقريباً، لكن لم يعد إلا 20 ألف لاجئ إلى سوريا، مع أن الظروف المعيشية في الأردن صعبة جداً.

بحسب استطلاع أجرته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في تشرين الثاني 2018، عبّر لاجئ واحد من كل أربعة عن عدم رغبته في العودة إلى سوريا مطلقاً. في الأردن، بدأ الناس يدركون أن مئات آلاف اللاجئين وأولادهم سيبقون هناك لفترة طويلة، وبالتالي لا بد من دمجهم في المجتمع وسوق العمل.

في هذا المجال، حقق الأردن نجاحاً أكبر من تركيا أو لبنان. على عكس تركيا، لا يواجه اللاجئون في الأردن حاجز اللغة. وعلى عكس لبنان، يُعتبر الأردن بلداً مستقراً. ربما لا يحظى السوريون بالتعاطف في الأردن، لكنّ الناس يتقبلونهم. حتى الآن، لم تحاول الحكومة في عمان إعادتهم إلى سوريا.



رجا أحمد البلبيسي


وفق إحصاءات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، يصل عدد اللاجئين في سن العمل إلى 300 ألف تقريباً، لكن حصل نصفهم فقط على رخص عمل. لا يضطر السوريون الذين يريدون العمل في البناء أو الزراعة لتجاوز عوائق بيروقراطية كثيرة. لكن يختلف الوضع في قطاعات أخرى، إذ تُحفَظ وظائف الهندسة وتصليح السيارات والتعليم للأردنيين بموجب القانون.

على صعيد آخر، يبدو الاختلاف بين الجنسيَن هائلاً: يبلغ عدد الرجال السوريين الحائزين على رخصة عمل 146 ألفاً، بينما يقتصر عدد النساء على 7 آلاف. يتعلق السبب جزئياً بعدم رغبة الأزواج في عمل زوجاتهنّ. لكن لا تجد معظم الأمهات أيضاً من يعتني بأولادهنّ خلال دوام العمل.

رحلة شاقة نحو العمل

هذه الظروف منعت فاتن طحان (36 عاماً) من العمل لفترة طويلة. هربت هذه المرأة إلى الأردن من مدينة حمص مع أولادها الثلاثة في العام 2012. الآن وقد كبر أولادها بما يكفي كي يتمكنوا من الاهتمام بأنفسهم، بدأت تعمل في الخياطة في "مؤسسة نهر الأردن" في عمان منذ العام 2017. تنتج منظمة الإغاثة هذه أعداداً كبيرة من المنتجات لصالح مجموعة "آيكيا"، بدءاً من أغطية الوسائد وصولاً إلى المآزر.تقول طحان: "بدأتُ أعمل لأسباب مادية. تزداد كلفة المعيشة في الأردن ويجب أن أعيل أولادي الثلاثة".



مخيّم الزعتري للّاجئين في الأردن


هي أيضاً لم تتلقَ تدريباً رسمياً في الخياطة في بداية عملها. في سوريا، درست كي تصبح معلمة في روضة الأطفال، لكنها لم تعمل في هذا المجال يوماً. مع ذلك، لديها أهداف كبيرة: "أنا مثالية بطبيعتي وأرغب في التحسن دوماً. أريد أن أبرع في ما أفعله بقدر ما يبرع العاملون في هذا القطاع منذ 30 سنة".تعمل 50 امرأة تقريباً على تصنيع مجموعات "آيكيا" في مبنى عادي ومتعدد الطوابق في حي جبل النظيف في عمان (15 منهنّ سوريات). تكسب العامِلات 220 ديناراً أردنياً على الأقل في الشهر (280.27 يورو). كذلك، يتلقَيْنَ المال مقابل كل وحدة يتم إنتاجها. تجني النساء أحياناً بين 400 و500 دينار شهرياً بهذه الطريقة. في المقابل، يكسب المعلم في الأردن مثلاً ما معدّله 400 دينار شهرياً.

قد يبدو الجو خانقاً وصاخباً داخل معمل الخياطة، لكنّ العمل مربح لدرجة أن البعض يقطع مسافات طويلة للحضور يومياً. تنهض رجا أحمد البلبيسي مثلاً في الساعة الخامسة و15 دقيقة من صباح كل يوم في مخيم الزعتري للاجئين، على بُعد 80 كلم. تضطر للتنقل بين ثلاث حافلات في طريقها وتحتاج إلى ثلاث ساعات على الأقل كي تصل إلى مكان العمل وثلاث ساعات أخرى كي تعود إلى منزلها. هي تُكرر هذه الرحلة خمس مرات في الأسبوع.تقول البلبيسي: "لطالما كنت مولعة بالعمل اليدوي. لكنه ليس السبب الوحيد الذي يجعلني أحب هذا العمل. أعتبر زميلاتي بمثابة عائلتي. نحن نقدم الدعم والمساعدة لبعضنا البعض. لا يُميّز العمّال ولا أرباب العمل بين الأردنيين والسوريين، بل يتعاملون مع الجميع بمساواة".

أنتجت طحان والبلبيسي وزميلاتهما حوالى 200 ألف وحدة منذ العام 2017. الطلب على المنتجات هائل، ومن المنتظر أن تُطرَح رابع مجموعة قريباً في الأسواق.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.