نجيب جورج عوض

في رثاءِ من ركبوا لُجَّة الموت لأنهم ما زالوا يحلمون

7 تشرين الأول 2022

02 : 00

كتب الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا مرة يقول: «لنفترض أنَّ هناك نموذجٌ يمثّل أمثولة غير مسبوقة عن الشر المستطير الذي يبدو أنَّ عصرنا يتَّصفُ به دوناً عن عصورٍ أخرى مضت، لن يتمكن الإنسان من الارتقاء إلى مستوى تحقيق رجاء خلاصٍ زماننا من هذا الشر المستطير ما لم نُعرِّف هذا الشر ونشير مباشرة إلى هذا الشرير الأمثولة الذي ينمذجه».تذكرت هذا القول وأنا أتابع النذر الشحيح من الأخبار التي صدرت عن فاجعة غرق العشرات من الشباب والشابات، بعضهم مع أطفالهم، في لُجّة المتوسط مؤخراً قبالة الساحل السوري في خضمِّ محاولتهم اليائسة لعبور فضاء الموت السائل نحو أملِ حياةٍ تليق بكرامة الطبيعة البشرية على السواحل الشمالية لذاك الماء الأبيض الذي يتوسط ضفافٍ من اليابسة بات الفرق بينها فرقاً يُنمذج الموت ضد الحياة، والشر المستطير ضد رجاء الخلاص منه.

خنقتني مشاعر الألم، بل والقرف، وأنا أتابع أخبار انتشال جثث العشرات من زهرة أجيالٍ من العائلات الشابة السورية واللبنانية التي لم يبقَ لها من منفذِ رجاء وعيش في هذا العالم القذر سوى أن تخوض غمار مغامرة عبور البحر نحو أوروبا على متن قوارب صغيرة ومهترئة تديرها عصابات تجارة تهريب منظمة، وهم يعلمون أن نسبة فشل العبور والقضاء غرقاً أعلى بكثير من نسبة وضع القدم على رمال رحلةٍ لا تقل غموضاً ولا تحديات. ترافقت هذه الأخبار مع شذراتٍ تسربت عن ردود فعل وتصرفات النظام (...) في دمشق حيال الكارثة، فقد فرضت مخابراته تعتيماً شديداً على الفاجعة وعلى حصيلة غرق المركب واحتفظت أجهزته بجثث المنتشلين من الغرقى ولم تسلمها لأهاليهم بسهولة، ناهيك عن عدم السماح بإجراء مراسم تشييع عامة إكراماً لأرواح الراحلين ومن ثم التعامل مع تلك الكارثة بعدم اكتراث وعدم رغبة في إجراء أي تحقيق جدي في أسباب الفاجعة أو حتى مجرد التأمل والتفكير في مسببات محاولة عائلات شابة القيام برحلة الموت والرعب تلك هرباً من سوريا التي كانت يوماً بلداً ودولة وشعب وقلب المشرق النابض التاريخي.

ما زاد من فجيعتي وحزني على الراحلين وأطفالهم هو ردود الأفعال البعيدة عن أية إنسانية أو شفقة أو أخلاق التي عبَّر عنها بعض مؤيدي النظام وأتباعه من الخنوعين والمتزلفين والرماديين الذين عانى منهم المشهد السوري المأساوي في السنوات العشر الماضية وقام حاكم دمشق(...) ونظامه المجرم بالاستثمار في عطبهم الأخلاقي والإنساني بكافة الوسائل والطرق. البعض سمح لنفسه بإلقاء اللوم على من قرروا القيام بهذه الرحلة لمغادرة بلدهم والتخلي عنها، وكأنَّ سوريا مازالت مكاناً صالحاً لأي وجود وكأنها لا تفتقر أبداً لكافة مقومات الحياة البشرية، وكأنَّ أولئك الراحلون كانوا يعيشون في رغدٍ وبحبوحةٍ وأمانٍ وكرامة وقد قرروا أن يتنكروا للنعمة التي يغدقها عليهم من دمر بلداً وقتل شعباً وشيطنَ أمَّة برمتها كي يبقى جالساً على كرسي سلطةٍ بائدة وحكمٍ فاسد. أما البعض الآخر من زبانية النظام فقد وصفوا بسخرية قميئة مقززة ما حدث بأنه «خيار بعض الحمقى (كذا) بالانتحار الجماعي».

أعود إلى سؤال دريدا عن تسمية نموذج الشر المستطير وأمثولته في زماننا. في الزمن السوري، هذا النموذج أعلن عن نفسه دون مواربة أو خجل أو أي رادعٍ نستشف فيه رائحة الأخلاق والإنسانية. هذا هو نموذج وأمثولة الشر في زمان السوريين، والذي حرمهم من فرصة العيش ومن فرصة محاولته معاً، وقطع عنهم كل سبل النجاة في بلدهم وسبل محاولتها معاً، وهو يقف لهم بالمرصاد إن حلموا بغدٍ أفضل وإن عملوا لتحقيق الحلم معاً. لم يتوقف السوريون عن تسمية مثال الشر خلال العقد الأخير. ولكن، الفاجعة التي تجعل الشر يستطير بدل أن يتراجع في المشهد السوري هي أنَّ العالم والمجتمع الدولي وحكوماته (تلك التي يحاول السوريون الهروب إليها طمعاً ببصيص حياة) ما عادوا يكترثون أبداً لا للشر المستطير في سوريا ولا بتسميته ولا بالاكتراث لفعلِ أي شيءٍ ليفتحوا أمام السوريين نافذة أمل خلاصٍ في جدار مأساتهم السميك والعالي الرابض أمامهم كفاصلٍ مائي مالح يشطر شاطئين على بحرٍ واحد. ما عاد العالم يكترث بمأساة السوريين ولم يعد يسمي الشر المستطير باسمه ولا حتى يتعامل مع وجوده. خرج الملف السوري من كافة دوائر صنع القرار بعد أن تمَّ وضعه على الرف في دوائر تطوير الأفكار. مُحيَت سوريا عن الخارطة لا الجيوسياسية فقط، بل وعن الخارطة الإنسانية، خارطة الحياة البشرية. باتت تُعامل كأرضٍ بلا شعب، كأرضٍ يباب مَحروقة. بقي الأسد ونظامه المتوحش، بقي أمثولة الشر المستطير، وبادَ البلد، بادَ الناس وراحوا يختنقون بصراعهم اليومي المحموم للنجاة، مجرد محاولة البقاء على قيد الحياة لليوم التالي. فقط البحر المتوسط مازال يلحظ وجود السوريين على سطح هذا الكوكب البائس. فقط أمواجه ومياهه تعرفهم وما زالت تحضنهم أحلاماً وآمالاً لاهثة ومحمومة ومن ثم تُمدِّد جثثهم على سطحها البارد كآخرٍ صوتٍ يصرخ باسم نموذج الشر الفظيع في زماننا... إلى ديار الخلد أيها الراحلون... سامحونا لأننا لم نقدر أن نفعل أي شيء لمد يد العون لكم. سامحونا لأننا فشلنا بجعل العالم يسمي الشر المستطير ويكترث به وبجرائمه؛ فشلنا بجعل العالم يتذكر من جديد أنكم مازلتم جزءاً من الوجود البشري في هذا الزمان القبيح والقذر.

(*) باحث وأكاديمي سوري معارض،

متخصص في الفلسفة والعلوم الإنسانية