بعدما حالت الظروف دون تمديد عروض مسرحيته الناجحة جداً "مشاهد من الحياة الزوجية"، ينهمك المؤلف والمخرج المسرحي ميشال جبر في إنجاز كتابة نصّ مسرحي جديد مقتبس من قصّة عالمية، يحاكي فيها كما في نصوصه السابقة واقعية الحياة بحلوها ومرّها.
بداية، نستهلّ معه الحديث عن سبب اعتماده النصوص العالمية في كتابة مسرحياته بدلاً من صياغة نصّ خاص، فقال إن الأمر لا يتعلق بسهولة أو صعوبة هذا او ذاك، بل ببناء نصّ من روحية فكرة مكتوبة أساساً في عمل عالمي، فيعيد صياغة القصّة، مع المحافظة طبعاً على خصوصية المصدر الرئيس.
جبر، الذي يطرح دائماً قضايا إجتماعية وإنسانية وعائلية في أعماله، يعتبر أن تلك المواضيع تأتي تلقائياً من دون حكم سابق، مضيفاً: "صحيح أننا نأخذ أحياناً موقفاً من قضايا مدنية أو اجتماعية خصوصاً على صعيد التواصل الإنساني بين الأفراد والمجتمع، إنما في النهاية لكل فنان أو مؤلف أو مخرج دائرة هواجس يدور في فلكها".
وعمّا إذا كان الجمهور يختبر عملية تطهير جماعية عند طرح تلك الهواجس، أجاب: "يبحث الجمهور عن حكاية أو عن مشاركة في احتفالية ما، وعن شخصيات يتماهى معها، لذا من المهمّ اختيار نصوص قريبة من الحياة تعالج القضايا بواقعية، لأن الجمهور إن لم يتماه مع ما يحصل على الخشبة سيشيح بنظره".
من هنا لا يحبّذ جبر المسرح العبثي، برغم أنه قدّم مسرحيات ذات نهاية عبثية لكن مضمونها الواقعي حاكى الجمهور.
من جهة أخرى، رفض جبر مقولة أن المسرح نخبوي، "لأنه شُيّد في الماضي في الساحات للتعبير عن أزمة معيّنة كما حصل عند الإغريق واليونان مثلاً، كما أدى دوراً في إحياء الثورات. لذا يتنوّع المسرح ما بين التحريضي والتوجيهي والترفيهي والغنائي".
وردًّا على سؤال حول كيفية اختيار الممثلين المنفذّين لنصوصه قال: "أبحث عمن يتوافق مع الشخصية وأراها من خلاله. لأن النصّ غير مُنزل، بل يخضع لقراءة معمّقة من قبل فريق العمل، ولتحليل دوافع الشخصيات والأهداف. فنتعاون معاً للإنتباه إلى التكرار، ونحسّن حتى يبلغ مرحلة السلاسة".
وأكّد أنه لا يحكم مسبقًا على أي ممثل، لأنه هو الذي يحيي النصّ ويعطيه من ذاته وانفعالاته وطريقة تفكيره، لذا لا يمكن للمخرج التنظير أو فرض النظريات، بل الإنطلاق من معطيات الممثل وقدراته الأدائية للتعديل أحياناً في مفهوم الشخصية، فحين يكتشف المخرج الممثل، يرسم التفاصيل ويضع حدودها. مؤكّدًا أهمية جماهيرية الممثل في جذب جمهوره سواء التلفزيوني أو السينمائي أو عبر مواقع التواصل الإجتماعي إلى المسرح، فإذا كان العمل جميلاً وممتعاً كسب المسرح روّاداً.
ولا يُخفي جبر إعجابه بالمسرح الأميركي والروسي والإيطالي، لافتاً إلى توافر حركة مسرحية عربية لا مسرحاً بالمفهوم التكاملي والمؤسساتي ( ريبيرتوار – كاتب، مدرسة تمثيلية ، تقليد تراثي...) .أمّا محلياً، فثمة نشاط وتجارب متنوّعة وجيّدة، وهذا أمر مهمّ لأي حركة مسرحية. مشيراً إلى أن الحركة المسرحية في البلاد ليست معياراً لمستوى الثقافة، إلا في حال ارتباط الإنتاج المسرحي بالإنتاج الأدبي، غير أن النصوص المسرحية المنفّذة محلياً هي لمسرحيين وليس لأدباء وكتّاب، "فلو توافر إنتاج أدبي لبناني خصب لما توجّهنا إلى النصوص العالمية".
وختم المؤلف والمخرج المسرحي ميشال جبر حديثه إلى "نداء الوطن" داعياً إلى تعزيز المصالحة أكثر بين المسرح وجمهوره، خصوصاً أن هذا الأخير يكتشف أخيراً واقعية المسرح ويتمتّع بما يقدّمه ".