بشارة شربل

مآزق "الحزب" والممرّات الآمنة

11 تشرين الأول 2022

02 : 00

إنها أيام مهمة بالنسبة إلى جميع اللبنانيين، لكنها حتماً حاسمة بالنسبة إلى "حزب الله". الاستحقاقات الداخلية والتطورات الإقليمية تتزاحم في شكل غير مسبوق، ما يجعل كل الأطراف اللبنانية أمام خيارات أساسية قد لا ينفع معها اللون الرمادي لتقطيع الوقت أو للاستفادة من التباس أو "غموض بنّاء". وإذا كانت معظم القوى السياسية والاجتماعية معروفة السقف ولاعبة بدرجة أو بأخرى تحت قواعد الدستور والنظام، فإن "حزب الله" سيجد نفسه، مهما حاول الإنكار، أمام تحدي اتخاذ قرارات صعبة والتفكير في مسار مشروعه ومصيره على السواء.

منذ نشأته، لم يكن ممكناً النظر الى "حزب الله" بصفته تنظيماً لبنانياً حتى ولو مثَّل شريحة وازنة، فلا مشروعه وايديولوجيته وممارساته تتيح هذا التوصيف، ولا هو يخجل من إعلاء الهوية الدينية والمذهبية والولاء للولي الفقيه فوق الانتماء الوطني. لذلك يصح سؤاله مع اهتزاز الأرض تحت أقدام "الجمهورية الخمينية" هل استخلص نتائج من اختبار الدم الجديد في شوارع مدن إيران أم أنه لا يزال يعتبرها المثال الذي يطمح إليه في حكم لبنان؟.

لا يُحسد "حزب الله" على مجموعة مآزقه التي يعالجها بتعظيم قوته والترويج للاطمئنان والإيحاء بامتلاك خيوط اللعبة من أصغر تفصيل يومي داخلي حتى أكبر صاروخ جاهز للاستخدام. ويجب ألا يغتبط خصومه بـ"حشرته" كون موقعه السياسي وقوته العسكرية كفيلتين بالإنعكاس بلاء على كل اللبنانيين إن لم يقتنع بأن مشروعه بات على خط انحناء شديد، ليس فقط بفعل الانهيار الذي تسبّبت به المنظومة الفاسدة التي يؤدي دور الضامن لها، بل لكون النظام الإيراني نفسه بدا أوهى من خصلة شعر ومصيره محكوم يوماً مهما طال بحتمية التحرّر من ربقة الاستبداد.

تبدو الاستحقاقات التي يرى "حزب الله" نفسه مضطراً للتعامل معها هذه الأيام مآزق ذات مخارج أحلاها مُرّ. فانتخابات الرئاسة ليست نزهة لما يتمناه لا لناحية التصويت ولا لعادة التعطيل. تكرار "لُقية" ميشال عون عبر توصيل جبران باسيل مستحيل، ودون فرض حليفه "الممانع" سليمان فرنجية موانع لا يذلّلها توصيف المرشح الرئاسي نفسه بأنه رائد انفتاح و"عروبي" مهووس بـ"الطائف". أما "التعطيل" كي "يبنى على الشيء مقتضاه" فلن يكون مفتوحاً لئلا توصد القناة الفرنسية المانعة، في أقل تقدير، وصْمَ أوروبا جناحي "الحزب" بالإرهاب.

الترسيم هو الآخر اختبار بين حدّ التوقيع الذي هو "تطبيع بحري" يوصل الى شبيهه براً مُفقداً الحزب حجة تحرير مزارع شبعا ومحولاً سلاحه حارساً للتواقيع، وبين حدّ المغامرة بحرب لا يُعوّض مكسبُ "الكرامة" فيها الخسائرَ الهائلة المتوقعة منها.

أما ثالث مآزق "حزب الله" وأهمها فهو استراتيجي ايديولوجي ثقافي حيث تُخلخل ثورة نزع الحجاب أسس نظام الولي الفقيه وتُفقده شرعيته الأخلاقية، في موازاة ضربها صورة "النموذج" الذي يروّجه الحزب منذ قيامه قبل أربعين عاماً نمط عيش وطريق خلاص.

لـ"حزب الله" ولبنان على السواء مصلحة في عدم وصول مآزق الحزب الى خيارات قصوى. مشروعُه في حال انسداد، ومعارضوه لن يتخلوا عن "ثقافة الحياة". هناك ممراتٌ آمنة لو شاء، أسهلها ترسيم طموحاته داخل الدولة إن قُيِّض لها أن تستعاد.