هان نغوين

الأفغان عالقون في بلدهم

18 تشرين الأول 2022

المصدر: The Diplomat

02 : 00

عائلة أفغانية تحاول الهروب عبر مطار كابول | ٢٠٢١

كُتِبت تحليلات كثيرة عن أفغانستان على مر السنة الماضية، فتلاحقت عناوين الصحف عن سرعة انسحاب قوات التحالف، وعودة الحوكمة غير الشاملة، والتهديدات التي يطرحها تنظيم "القاعدة" وفرعه المحلي ("الدولة الإسلامية في ولاية خراسان")، والتحديات التي تفرضها حالات الطوارئ الإنسانية. لكن لم تُنشَر تحليلات كثيرة عن السكان "العالقين لاإرادياً" داخل البلد والمخاطر التي تواجهها هذه الجماعات.



لفهم ظروف أفغانستان اليوم بطريقة شاملة والاستعداد للمستقبل، يجب أن ندرك أولاً الوضع الذي يواجهه المتروكون لمصيرهم بعد انسحاب القوات الغربية.

يواجه الأفغان الذين عجزوا عن ركوب طائرات الإجلاء مخاطر متزايدة، فهم لا يستطيعون الحصول على تأشيرات أجنبية، أو يعجزون عن الذهاب في رحلة برّية خطيرة ومكلفة إلى خارج البلد لأسباب مرتبطة بالعمر، أو الوضع المادي، أو مصادر الخطر، أو عوامل كثيرة أخرى. أصبح هؤلاء السكان معرّضين لمخاطر أمنية هائلة، وكوارث طبيعية، وانهيار البنى التحتية الاقتصادية والإدارية، وتراجع أبسط الخيارات التي تسمح لهم بالبقاء على قيد الحياة. يمكن اعتبارهم كبش المحرقة الذي يقيس نجاحاتنا وإخفاقاتنا كمجتمع بشري عام.

بعد مرور سنة على عودة "طالبان" إلى الحُكم، بدأت مظاهر الجوع، والحرمان، والفصل العنصري على أساس الجنس والانتماء العرقي والديني، تتوسع بكل وضوح. وفق برنامج الأغذية العالمي، يواجه أكثر من 90% من الأفغان مشكلة انعدام الأمن الغذائي منذ شهر آب الماضي، وأُصيب أكثر من مليون طفل تحت عمر الخامسة بحالات حادة ومطوّلة من سوء التغذية. كذلك، أدى الانهيار الاقتصادي الذي يواجهه البلد بعد سحب الدعم الخارجي وتجميد الأصول الأفغانية إلى شلّ قدرة الأطراف المحلية على التعامل مع هذه التحديات.

في الوقت نفسه، تتابع أعمال العنف المستهدفة وصراعات مسلّحة أخرى تهجير الأبرياء وقتلهم. وثّقت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان 2106 ضحايا من المدنيين بين 15 آب 2021 (يوم استيلاء "طالبان" على كابول) و15 حزيران 2022. اليوم، يصل عدد النازحين داخلياً إلى 3.4 ملايين شخص، وصُنّفت أفغانستان أيضاً كأخطر بلد في العالم طوال أربع سنوات متلاحقة، بين 2019 و2022، وفق مؤشر السلام العالمي (تقرير سنوي يقيس خطورة الوضع في البلدان بناءً على 23 مؤشراً، بما في ذلك الترهيب السياسي، وعدد القتلى بسبب الصراعات الداخلية، ومعدل جرائم القتل).

غالباً ما يعجز أكثر الأشخاص ضعفاً، أي الجماعات التي تتأثر بالمخاطر والتحديات المطروحة بدرجات متفاوتة، عن إيجاد الدعم المناسب أو تلقي الحماية. لا يزال أعضاء جماعة الهزارة من أبرز ضحايا اعتداءات تنظيم "الدولة الإسلامية في ولاية خراسان" والأعمال الوحشية التي ترتكبها "طالبان"، وهم يتعرّضون لإجلاء قسري طوال الوقت. كذلك، تخضع النساء والفتيات للحصار، فقد افتعلت "طالبان" أزمة كارثية في مجال حقوق المرأة، إذ تُمنَع الفتيات والنساء من حقوق التعلم، والعمل، وتلقي الرعاية الصحية، والتمثيل السياسي. استهدفت "طالبان" النساء الناشطات عن طريق المضايقات، وسوء المعاملة، والاعتقال التعسفي والاحتجاز، والإخفاء القسري، والتعذيب الجسدي والنفسي. استُعمِلت هذه المقاربة أيضاً مع المتحالفين مع النظام السابق، وأُعدِم 160 مسؤولاً حكومياً وأمنياً سابقاً على الأقل منذ عودة "طالبان"، وفق معلومات بعثة الأمم المتحدة لمساعدة أفغانستان.

بالنسبة إلى هذه الجماعات، أصبحت الهجرة أهم حبل نجاة للاحتماء من المخاطر، لكن تزداد صعوبة مغادرة البلد مع مرور الأيام. يعني غياب مسارات الهجرة الآمنة والشرعية والسالكة أن جزءاً كبيراً ممن يريدون الرحيل يعجز عن المغادرة. وفق بيانات جمعها "مركز الهجرة المختلطة"، لا يستطيع الأفغان الحصول على تأشيرات إلا للتوجه إلى عدد صغير من البلدان المجاورة، وتبقى هذه العملية معقدة ومكلفة. يواجه مسؤولون وعناصر سابقون في قوات الأمن مشاكل إضافية محلياً، لأن بياناتهم البيومترية مسجّلة في قاعدة بيانات السجل السكاني الذي تديره "طالبان" اليوم.

في مقابلة مع "مركز الهجرة المختلطة"، يقول أفغاني عمره 47 عاماً: "حتى لو حصلتُ على تأشيرة باكستانية، كيف يمكنني أن أعبر الحدود؟ حين يضعون جواز سفري في الآلة على الحدود، تظهر معلوماتي البيومترية فوراً ويعرفون حينها أنني كنتُ رجلاً عسكرياً في عهد الحكومة السابقة، والله أعلم ما سيصيبني لاحقاً".

لهذا السبب، يفضّل الكثيرون طرقات الهجرة البديلة وغير الشرعية في معظم الأوقات، وقد يكون هذا الحل خيارهم الوحيد أصلاً. لكنّ زيادة تكاليف عمليات التهريب نتيجة ارتفاع الطلب عليها تجعل تلك الطرقات غير سالكة للكثيرين، لا سيما من يكون فقيراً أو ضعيفاً أو مريضاً لدرجة أن يعجز عن مواجهة المخاطر والمصاعب التي ترافق محاولة الهرب. باختصار، أصبحت هذه الفئة من الأفغـــان عالقة في بلدها.

لكن حتى الأشخاص الذين نجحوا في الهرب من أفغانستان يجدون أنفسهم "عالقين لاإرادياً" في إيران أو باكستان المجاورة. نتيجة إغلاق معظم السفارات الغربية في كابول، في السنة الماضية، سافر الأفغان القادرون على الرحيل إلى الخارج لإتمام معاملات الهجرة في السفارات الأجنبية. انتقل أكثر من 14 ألف شخص إلى ألمانيا عن طريق باكستان، بفضل نظام مبسّط وخاص باللاجئين الأفغان. كذلك، تنهي المفوضية العليا الكندية في إسلام أباد طلبات التأشيرة لصالح الأفغان الراغبين في الهجرة. لكن أمضى مئات آلاف الناس الآخرين أشهراً عدة وهم ينتظرون انتهاء معاملات التأشيرة، وواجهوا بذلك مخاطر كبرى. في الفترة الأخيرة، تكلم 94% من مقدّمي الطلبات لنيل تأشيرة الهجرة الأميركية الخاصة في باكستان عن زيادة مشاكلهم الاقتصادية.

أصبح جزء كبير من هؤلاء الأفغان عالقاً في وضع قانوني شائك، فهم يتجاوزون مدة الإقامة المسموح بها، أو يفتقرون إلى التأشيرة ويتعرضون بذلك لإجراءات قانونية صارمة، ويعجزون عن المضي قدماً، ولا يبدون استعدادهم للعودة إلى بلدهم خوفاً على حياتهم. أُعيد آلاف الأفغان المعرّضين للخطر إلى أفغانستان بالقوة، بينما فضّل آخرون أن يتحملوا مظاهر العنف، وكراهية الأجانب، والاستغلال، والتشرد.

تبقى إعادة توطين عدد كبير من الأفغان المعرّضين للخطر مستبعدة في الظروف العالمية الراهنة، مع أنها أفضل وسيلة لحمايتهم، وتأمل شريحة واسعة من النازحين الأفغان أن تستفيد منها. لكن يبرز خياران بديلان: تسهيل اندماج الأفغان في المنطقة، لا سيما في باكستان وإيران، وإنشاء "مسارات تكميلية" للأفغان نحو البلدان الغربية عبر خطط التعليم وتنقّل اليد العاملة. لكن لا يمكن اللجوء إلى هذين الخيارَين في الوقت الراهن.

في ما يخص الاندماج في دول النزوح الأول، بدأت باكستان وإيران تتنصلان من مسؤولية ضمان حقوق اللاجئين، بموجب القانون الدولي، باعتبارهما غير موقِّعتَين على اتفاقية العام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين. نتيجةً لذلك، انهارت الجهود الرامية إلى تسهيل، أو حتى مناقشة، حصول اللاجئين على حقوق العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، وخدمات أساسية أخرى، قبل أن تبدأ.

قد تشكّل المسـارات التكميلية مقاربة قصيرة الأمد لإعادة توطين الأفغان مؤقتاً، لكنها لا تطرح حلاً دائماً نظراً إلى غياب الحماية الدولية للفئات المعرّضة للخطر. في غضون ذلك، يبقى عدد هذه الفرص ضئيلاً مقارنةً بمن يحتاجون إلى المساعدة، وغالباً ما تُفرَض متطلبات أساسية لا يستطيع معظم اللاجئين تلبيتها، منها الحصول على جواز سفر أو تقديم شهادة عن تعليمهم الرسمي السابق.

تتعدد المواثيق الدولية التي تذكر الحق في طلب اللجوء، أبرزها المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: "يحق للجميع أن يطلب اللجوء إلى بلدان أخرى ويحصل عليه هرباً من الاضطهاد". لكن لاكتساب هذا الحق، يجب أن يتمكن الفرد من قطع حدود دولية بحثاً عن الحماية. يمنع الجمود اللاإرادي الحصول على هذا الحق الأساسي الذي يُمهّد للاستفادة من جميع الحقوق الأخرى، ما يعني نيل صفة قانونية.

مع مرور الوقت وانشغال الرأي العام العالمي بملفات أخرى، تزداد العوائق التي تحول دون تنقل الأفغان، وقد بدأ الجميع ينسى قضيتهم. اليوم أكثر من أي وقت مضى، يحتاج المتروكون في بلدهم ومن ينتظرون في البلدان المجاورة إلى خيارات قانونية وعملية لطلب اللجوء والاستفادة من أبسط الحقوق التي يستحقونها.

تتعدد الخيارات التي يمكن اللجوء إليها في هذا المجال. يجب أن نطوّر خططاً مستدامة لإعادة توطين الجماعات العالقة وحمايتها. يُفترض أن تكثّف البلدان الغربية جهودها لتنفيذ وعودها بإعادة توطين الأفغان المعرّضين للخطر، تزامناً مع تسهيل الإجراءات على الأفغان المنسيين الذين ينتظرون معالجة وضعهم. قد تقدّم المسارات التكميلية خياراً بديلاً لإعادة توطين اللاجئين، لكن يجب أن تراعي أيضاً الحواجز البنيوية الخاصة باللاجئين أو طالبي اللجوء، منها غياب الشهادات أو الوثائق الرسمية، وتؤمّن مساراً أوضح لمنحهم الحماية وصفة دائمة في أي بلد ثالث.

أخيراً، يجب أن نتفهم وجهات نظر هذه الجماعات وتجاربها لمتابعة دعمها وتسليط الضوء عليها، ولإطلاق تحركات مستهدفة وقادرة على تلبية حاجاتها.