كيف ومتى ولدت فكرة "ورشة"؟
في العام 2017 كنت جالسة على شرفة منزلي أراقب الورش التي تحيط بنا في كل جوانب بيروت وأحيائها. استوقفني رجلٌ واقفٌ على أعلى "ونش" أمام الغرفة المعلّقة عليه. للوهلة الأولى شعرت بالخوف وظللت أراقبه ظناً مني أنه سيقفز لكن تبين أنه يؤدي صلاة الظهر. بقي المشهد عالقاً في ذهني ولم أتوقف عن التفكير بالخطر المحدق بهؤلاء العمال الذين يتولون قيادة "الونش" من على علو شاهق في غرفة صغيرة جداً يجلس فيها يشاهد العالم بأكمله دون أن يراه أحد. بدأت أبحاثي وكثّفت زياراتي للورش لأجد أن معظم هؤلاء هم عمّال سوريون مهمشون ومعاملتهم غير إنسانية، شعرت أنهم يتوقون يومياً لتسلق الونش والجلوس هناك على علو شاهق وترك كل مشاكلهم الاجتماعية والصعوبات والضجيج والصرخات الرجولية في الأسفل بحثاً عن الحرية والسلام والأحلام. وكانت تلك ولادة فكرة "ورشة".
ماذا يتناول الفيلم؟
الفيلم يحكي قصة "محمد" وهو عامل سوري في إحدى ورش بناء بيروت. قرر في يوم من الأيام التطوع لاستلام أكبر وأطول وأخطر "ونش" موجود. وكان كل هدفه الوصول إلى فوق للانفصال عن العالم وواقعه وعيش حلم لا يستطيع تطبيقه والبوح به في الحياة الطبيعية.
أخبرينا عن بطل الفيلم؟
خنسا، واسمه الحقيقي محمد الخنسا، هو مغنٍّ في الأصل. صودف أن سمعت أولى أغانيه فأعجبت بها كثيراً وقصدت مترو المدينة لمشاهدة إحدى حفلاته. هناك وهو يترنّح بين الرجولة والأنوثة ويأخذنا إلى عالمٍ صافٍ من الفن والإبداع أُغرمت بتفاصيل فنّه ووجدت فيه شيئاً مميزاً. جلسنا وتحدثنا مطوّلاً ومعاً بلورنا فكرة الفيلم واتفقنا على أن يؤدي هو دور البطل "محمد".
كم تطلّب من وقت لتصويره وكم تكلفته؟
امتد التصوير حوالى 4 أيام ونصف في لبنان ويومين في فرنسا. التكلفة لم تكن صغيرة أبداً لما احتواه الفيلم من مشاهد خطرة ومؤثرات خاصة. لم تكن المهمة سهلة فقد استغرق العمل أربع سنوات، من 2017 حتى 2021 لتأمين المصاريف وحل المشاكل التقنية التي واجهتنا.
ماذا عن الصعوبات خلال التصوير؟
كانت لا تحصى فضلاً عن المخاطر والمشاكل التقنية، والثورة وجائحة "كوفيد 19" وانفجار "4 آب"؛ وكلها ظروف حالت دون الانتهاء باكراً واستكمال المشاهد كما كان مقرراً، فوصلنا الى مرحلة قرّرنا فيها التوقف.
فبالإضافة إلى صعوبة التصوير داخل غرفة صغيرة في "ونش" معلّق بالهواء، كانت المخاطر حقيقية وتعرّض حياة الممثلين والطاقم للخطر الكبير. لذلك لجأنا في النهاية إلى فرنسا حيث أتممنا المشاهد داخل استديوهات تستخدم تقنيات متطورة وحديثة جداً.

ما هي الرسالة التي أردت توجيهها عبر الفيلم؟
حاولت القول إن كل شخص نلتقيه يحمل في داخله ملايين القصص التي نجهلها مهما اقتربنا منه أو عرفنا عنه أشياء؛ خصوصاً العامل داخل الورشة الذي يوحي للأغلبية بأنه شخص بسيط غير معقّد وداخله مستكين وهادئ وبعيد عن الشغف والأحلام.
أردت تسليط الضوء على فكرة أن عرق الشخص وجنسيته ودينه وعمله كلّها لا تحدّد كيانه وما هو عليه. هناك عالم داخلي في كل شخص مليء بالأحلام يجب ألا يحدّه لا العمر ولا الجنس ولا المجتمع.
أخبرينا عن مشاركة الفيلم في مهرجان Sundance في عرضه الاول.
عُرض الفيلم لأول مرة في أواخر كانون الثاني 2022 في مهرجان سينما "Sundance" وهو من أهم المهرجانات العالمية وحصد جائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم روائي قصير. وكانت ردود فعل المشاهدين عليه أجمل مما توقعت. عُرض الفيلم في أكثر من 200 مهرجان حول العالم حتى اليوم حاصداً أكثر من 42 جائزة وقد تأهل للأوسكار أربع مرات. أتلقى يومياً رسائل من المشاهدين من مختلف دول العالم يخبرونني فيها عن التعاطف والدهشة والحب لشخصية "محمد" التي تخبر قصة كل واحد منّا، وقصّة كلّ إنسان قوقَعَهُ مجتمعه في علبة ومنعه من إخراج ما في داخله الى الضوء.
هل تتوقعين تعرّضه لانتقادات في محيطنا العربي؟
أستبعد ذلك فالفيلم خالٍ مما يخدش مجتمعاتنا العربية.

ومتى سيتم عرضه عربياً ولبنانياً؟
أول عرض للفيلم عربياً سيتم أواخر العام 2022 لكن لا يمكنني حالياً الإفصاح عن التفاصيل. وبعدها سينتقل عرضه إلى لبنان.
أخبرينا عن لحظة مميزة خلال التصوير أو العرض.
التصوير كلّه كان بمثابة حلم. تعاونت مع شركة إنتاج لبنانية وهي "né à Beyrouth" وقدّم فريق العمل فيها جهداً لامتناهياً وشغفاً كبيراً. أخذنا التصوير إلى عالم آخر فكانت كل لحظة مميزة. واتقدم بالشكر للمصوّر شادي شعبان والمونتير علي دلول وخنسا طبعاً وكل فريق العمل فقد سمحوا لي بتحقيق حلم ساحر.
ولعلّ لحظة فوز فيلمي بالجائزة الأولى من أجمل اللحظات لأن نسبة الأفلام القصيرة التي تُقبل عادةً في "Sundance" لا تتخطى 0.7%.
كم فيلماً في رصيدك اليوم؟
فيلم تخرّجي من جامعة نيويورك "NYU" وعنوانه "بالأبيض" حصد 14 جائزة. ثم فيلم "مشكال" في بيروت الذي حصد 4 جوائز. والآن أنا في صدد كتابة أول فيلم طويل لي بالتعاون مع الكاتبة بان فقيه وسيتم تصويره في لبنان. كما أعمل على مسلسل تلفزيوني سيصور في أميركا يتناول قصة أم لبنانية.
ما هو طموحك السينمائي اليوم؟
أطمح لإخراج قصص تستهويني وبرامج تلفزيونية. أنا حالياً أحقق حلمي وأتمنى التمكن من المضي قدماً وتنفيذ مزيد من الأعمال لايصال صوتي وصوت الشخصيات فيها. فالسينما في النهاية لغة تواصل وتفاهم بين الأشخاص مهما اختلفت خلفياتهم. ويبقى حلمي الأكبر عودة لبنان الى ما كان عليه فهو حبي الأول وازدهاري من ازدهاره.