نوال نصر

الأجمل هندسياً: السراي الحكومي ثم عين التينة ثم القصر الجمهوري

بين شغور وامتلاء... ما لا تعرفونه عن قصر بعبدا

20 تشرين الأول 2022

02 : 01

صالة الصحافة شيّدت أيام ميشال سليمان
أهلا بكَ (بكِ) في قصر بعبدا الذي نعرف عنه أشياء وتغيب عنا أشياء. هو النجمُ الذي يجذب في هذه الايام كل الموارنة وكل اللاعبين برقاب المسيحيين والمسلمين والعباد. هو القصر الذي عرف في عقود ثلاثة غابرة مراحل من الشغور والتخريب، وبين شغور وامتلاء كان ينفض عنه الغبار ويستبدل الأثاث القديم على ذوق ساكنيه، حتى انتهى به اليوم الى اللون الرمادي. ألم تلاحظوا كرسي الرئيس وضيفه؟ واللون الرمادي بين الألوان يرمز الى الخسارة والإكتئاب والظلام. هو لا أسود ولا أبيض. وإن كنا في أيام سود قاتمة. كل شيء عن هذا القصر الذي يظل عابقاً برائحة الأرز.

الرئاسة الأولى التي عاشت، مذ وجدت، أزمات إنتهاء الولاية تعيشها من جديد. فقبل أن يكون ميشال عون رئيساً بكثير كان شارل دباس أول رئيس لجمهورية لبنان الكبير... تتذكرونه؟ كان أرثوذكسياً، متزوجاً من إمرأة فرنسية، انتخب العام 1926 رئيساً وفي العام 1932 طالب الموارنة بالرئاسة الأولى وحصل خلاف بين إميل إده وبشارة الخوري فمُدد لدباس سنة واحدة!

قبل ميشال عون رؤساء تعاقبوا على القصور: ميشال سليمان وإميل لحود والياس الهراوي وأمين الجميل والياس سركيس وسليمان فرنجية وكميل شمعون وفؤاد شهاب وشارل حلو وبشارة الخوري... والأخير لم يتخل عن كرسيه إلا على مشارف ثورة. وكميل شمعون تذرع من واجهوه في العام 1958أنه لم يقل لا للتمديد. كل الرؤساء نزلوا إجمالا عن كراسيهم بعد أزمات ما عدا اثنين بدل أن ينزلا صعدا الى السماء الى جوار الرب: رينيه معوض وبشير الجميل. والسؤال، ماذا عن ذاك القصر القابع نظرياً بين فيات الأرز والشربين؟



مدخل الأمن



قصر الشغور

تتذكرون حلقات الدبكة في «قصر الشعب» التي انتهت الى 13 تشرين ودمار القصر وهرب من فيه؟ يومها شغر القصر وغابت رئاسة الجمهورية عنه نحو خمسة أعوام. كانت ولاية الياس الهراوي التي تلت إنشغال القصر بميشال عون، الذي انشغلت البلاد بعد رحيله بترميم القصر- الرمز. الدمار يومها كان كبيراً وسوي الجناح الشرقي فيه بالأرض، أما الجناح الغربي، اي جناح الرئيس، فكان شبه خراب. كلفة هدم القصر وبناء آخر قدرت بخمسة عشر مليون دولار لذلك اتخذ قرار الترميم وتبرع بذلك يومها سمير مقبل، الذي اصبح بعدها وزيراً للبيئة، وذلك من خلال شركة المقاولات التي يملكها. واستغرقت الاعمال أكثر من خمسة أشهر. تكاليف المرحلة الأولى فاقت الثلاثة ملايين دولار أميركي. كانت هناك أساسيات وكماليات في الترميم وبينها ترميم المسبح الذي بني على أيام الرئيس شارل حلو وملعب كرة المضرب المغلق الذي بني على عهد الرئيس أمين الجميل. فخامة الرؤساء بحاجة من وقت الى آخر للترفيه عن أنفسهم. ويومها تعب العمال كثيراً في تفتيت الباطون المسلح الذي بني في ايام ميشال عون كملجأ احتياطي.



صالة انتظار ضيوف الرئيس




ستايل الهراوي

إنتقل الياس الهراوي الى القصر المرمم في آخر سنتين من عهده الرئاسي. أتى الى قصر بعبدا في عيد شفيع اسمه مار الياس عام 1993. ويومها تغيرت معالم كثيرة في هندسة القصر وزيدت المساحات الخضراء واستعين بإكزوتيكا في عملية التشجير. والهندسة الداخلية تكفل بها المهندس ايلي غرزوزي وجلبت الستائر وكذلك الأثاث الجديد من مؤسستي عزيز ونايف فارس. وطغى اللون الذهبي مع الأخضر الغامق والنبيذي على الألوان. هذا كان ذوق السيدة منى الياس الهراوي التي أشرفت على الأعمال. وتجاوزت لاحقاً كلفة العودة ثمانية ملايين دولار أميركي معظمها تبرعات.

الياس الهراوي كان أول من تنعّم بالقصر المرمم وبعده تولى الرئاسة إميل لحود لتسعة أعوام كاملة. كان رجلاً عسكرياً ولم يهتم كثيراً في المسائل الجمالية للقصر. ويوم أتى ميشال سليمان استعان بالمهندس أنطوان لحود لتحديث التفاصيل. فلنسمعها من المهندس لحود ابن عمشيت. يقول «عاش القصر شغوراً جديداً بين إميل لحود وميشال سليمان ويوم استلمه الأخير كان خالياً من تفاصيل كثيرة. لم تكن هناك غرفة للصحافة ولا صالة للضيوف. وكان إذا وصل ثلاثة ضيوف معا لا يجدون غرفة انتظار لائقة يجلسون فيها. وكانت كل الستائر في القصر «مهلهلة». ولم تكن توجد كنيسة في القصر الذي يضم مركز الماروني الأول، لذلك طالب بها الرئيس سليمان فبنيناها من الزجاج الشفاف في قلب الحديقة وزرعنا حولها اشجار الأرز ووضعنا فيها صور كل قديسي لبنان وسميت بكنيسة مار شربل. وتزامن ذلك مع مجيء البابا بنديكتوس. كما جهزنا له كرسياً خاصاً لا تزال موجودة اليوم في القصر. شيدنا أيضاً مدخلاً جديداً ضخماً أشبه بمدخل السراي الحكومي. وأنشأنا صالة لاجتماعات مجلس الوزراء في القصر الجمهوري شبيهة بتلك الموجودة في السراي كي يشعر الوزراء أنهم في بيتهم. ووضعنا لأول مرة أجهزة الكمبيوتر ويومها تهكّم كثيرون وقالوا ان الوزراء يلعبون Games عليها. عملنا لزوم ما يجب ان نفعله مواكبة للعصر. كما قمنا بإعداد نظام عزل الأصوات بين مكاتب مدراء القصر».





تمثال ميشال بصبوص عند المدخل



حدائق سليمان

قبل ميشال سليمان كانوا يدخلون الى الحديقة عبر «كوريدور» يحوطه الشجر «يميناً وشمالاً»، ما كان يحجب النظر عن آثارات كثيرة موجودة فيها إنتقلت من وزارة الثقافة إليه «فقررنا، بحسب المهندس لحود قطع الشجر لناحية الشمال من المدخل، وهي بلا قيمة، كي نفتح الرؤية الى حديقة القصر الخارجية. وهناك، لمعلوماتكم، ثلاث حدائق في قصر بعبدا زرعناها بأشجار الزيتون القديمة التي عمرها مئة عام. أكثر من مئة شجرة زرعت. وهناك في القصر حديقة لها مفهوم خاص تضم أشجار أرز زرعها كبار الشخصيات الذين زاروا القصر كانت يابسة يوم استلم سليمان لذا أعدنا زراعتها بأشجار أرز كبيرة. فلا يعقل ان تكون الأرزة التي زرعها جاك شيراك قبل عشرين عاماً بعمر شهر او شهرين».

إهتم الرئيس ميشال سليمان بالناحية الجمالية والثقافية في القصر. في هذا الإطار يقول المهندس لحود «إتصلنا بوزير الثقافة وطلبنا إعادة اللوحات والموجودات الأثرية الى القصر ووضعنا التماثيل الرومانية في الأرجاء بشكل ظاهر. كما وضعنا في صالة صور الرؤساء السابقين ابرز الطوابع البريدية الصادرة في عهودهم. وأتذكر انه في عهد سليمان فرنجيه لم يكن قد أصدر أي طابع لذلك طلبنا من وزير الإتصالات إصدار واحد باسمه، عليه صورته، ووضعناه في حضور العائلة. ووضعنا لوحات للرسام بول غيراغوسيان». تبدل القصر كثيرا بين عهدي اميل لحود وميشال سليمان. فالأول كان عسكرياً في حين أحبّ الثاني الإهتمام بالناحية الجمالية ووفاء ميشال سليمان اعتنت هي ايضاً، كما منى الياس الهراوي، بهذه الناحية. أحواض الزراعة أيام لحود كانت أقل من عادية، بلون الفخار لكن بلاستيكية في كل القصر وحتى في مكتب الرئيس وقاعة 22 تشرين. كلها تغيرت. سجادات القصر كانت هي أيضا الأجمل ايام عهد الياس الهراوي لكن يوم مجيء سليمان كان معظمها غير موجود. لا أحد يضع أحداً في ذمته.



مكتب الرئيس



مبنى سكن الرئيس يقع فوق القصر، وفي وسطه حديقة أيضاً. لم يكن سهلا إحياؤها. كان العشب اليابس يوم وصل ميشال سليمان يغطيها. وفي موقع سكن الرئيس كوريدور زجاجي يطل على الحديقة وتبلغ مساحتها 70 متراً. وهناك مكتب للرئيس ومكتب للسيدة الأولى في الطبقة العلوية. وهناك جناح خاص لضيف الرئيس يسمى الجناح الملكي. في هذا الإطار يقول المهندس لحود «رممنا هذا الجناح يوم أتى الملك السعودي، في تلك الزيارة التاريخية التي اصطحب فيها بشار الأسد الى القصر الجمهوري. يومها أخذنا علماً بذلك قبل شهر فنفضناه بالكامل. هو جناح رائع يضم ثلاث غرف وصالوناً وجاكوزي. ويومها أتى الملك واستراح فيه لكنه لم ينم. أما غرفة رئيس الجمهورية فجميلة وهندستها على نسق البيوت القديمة. ويستطرد: جهزنا القصر ببرادات للولائم الكبيرة. وكان مرصوداً مبلغ من المال من أجل سقف القاعات بالخشب الذي يمنح المكان فخامة لكن لم يُنجز بسبب عراقيل في صرف الإعتماد».

جمالياً القصر الحكومي هو الأجمل، يليه قصر عين التينة، ويأتي ثالثاً قصر بعبداً. القصر الأخير شًيّد على النسق الحديث وأول من سكنه هو شارل حلو. والسلامة safety مفقودة فيه. ولم تكن فيه غرفة للمحاضرات ولا غرفة للصحافة. ويقول لحود «نفضنا أيضا قصر بيت الدين، المقر الصيفي. ويومها كان هناك شعار للحزب الإشتراكي عند مدخله، فتمنى الرئيس سليمان من وليد جنبلاط، الذي جمعتهما علاقات طيبة، إزالته. وهذا ما كان.




شكل الكرسي تغيّر مع تبدّل العهود


إنتهى عهد ميشال سليمان وأتى ميشال عون بعد شغور طويل. واول سنة من عهده إحترق بهو الطبقة الأولى كاملاً، في فترة الميلاد، بسبب صاعقة ضربت شجر الميلاد. تضرر البهو كثيراً ما استدعى تغيير كل البلاط. و»فخامتو» أحبّ الإستعانة باللون الرمادي، مستعينا بذوق بناته، اللواتي نصحنه بالتخلي عن صالون الخشب النبيذي والبني ايضاً الذي كان قد جلب سابقاً من مؤسسة Roche Bobois الفرنسية. واستبدل مكتبه بالرمادي مع ستانليس ليعطي طابع «مودرن» أكثر في حين كان مكتب الرئيس أمين الجميل قلعة خشبية صنعته مؤسسة «بواسولييه دو ريف» لصاحبها اللبناني جوزف الريف.



وماذا بعد؟

في أيام ميشال سليمان وضع «كود» على كل قطعة في القصر، على كل كرسي وملعقة وشوكة وسكين وسجادة ولوحة. فموجودات القصر لم تكن لا محددة ولا مخمنة وأتى حريق الأرشيف ليقضي على كل المعلومات التي يمكن أن تتوافر. ويقول المهندس أنطوان لحود. كان أرشيفنا مارون حيمري (مستشار رئيس الجمهورية لشؤون المراسم والعلاقات السياسية) لكنه لم يكتب ملاحظات ولا مذكرات، لهذا كان ضرورياً أن يوجد من يدوّن تفاصيل القصر تحت عنوان «يوميات القصر» وهذا ما عمل عليه الرئيس سليمان لاحقاً. هنا، في هذا الإطار، يتحدث لحود عن خطأ وقع فيه حيمري بعد انتخاب الرئيس سليمان رئيساً، حين نسي أن يطلعه على وجوب زيارة بكركي في الأحد الذي يلي انتخابه، وهذه غلطة بروتوكولية».

يبقى أن منحوتة لميشال بصبوص كانت مرمية في الفناء الخلفي للقصر أعيد تنظيفها ووضعها عند المدخل الخارجي. كل موجودات القصر يفترض أن تعطى كل الإهتمام، حتى فناجين القهوة في القصر هي من نوع «ليموج»- لكل فنجان وصحنه كود- وعددها 12. وهناك فضيات من نوع كريستوفر... وآخر سؤال نطرحه بدون أن ننتظر جواباً: تُرى من سيكون أول شاربي القهوة في القصر الجمهوري في بعبدا بعد 31 تشرين؟ اللهم أن لا تأتينا- من حيث لا ندري- أحداث تودي بالقصر من جديد.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.