إنتقل "حراك النبطية" الى مرحلة العصيان المدني ضارباً على وتر المصارف. من أمام فرع مصرف لبنان في النبطية، أعلنها المعتصمون صراحة "مش دافعين"، ودعوا المواطنين الى الامتناع عن الدفع لتحقيق المزيد من "الانتصارات".
عاند المتظاهرون العاصفة "لولو" وأمطارها الغزيرة ونادوا بالعصيان المالي ضد المصارف. يشدّد علي أحمد على قضية أساسية وهي "غياب السياسة المالية الواضحة، ما دفع بالمصارف الى إذلالنا"، داعياً الى معاملتها بالمثل، "فكما تحجب المصارف أموالنا، يجب ان نحجب عنها أموالها".
لا يتردّد موسى بالقول إنّ "الحملة ضد المصارف بدأت وعلى كل مواطن أن يتجاوب معنا، لنحقق الهدف".
وتتكئ الحملة على معطيات قانونية صاغها محامو الحراك، مفادها أنّ "القروض الشخصية، وقروض السيارات لا تتأثر بالفوائد اذا تخلّف المدين عن سداد الدين، طالما أنّ المصارف تتخلف عن دفعها أموال الناس، أي "وحدة بوحدة"، ويقول أحد المحتجين: "أكثر من 1600 موظف أوقفوا عن العمل بشكل تعسّفي بسبب سياسة المصارف التي يجب أن تتوقف"، في حين دعا عواضة "كل غيور على مصلحة البلد أن يتوقف عن الدفع، لانه لم يعد هناك من وسيلة اخرى للضغط"، فيما شدد الدكتور عمران فوعاني على أنّ "نبض الحراك لن يتوقف ويتجه المتظاهرون الى مزيد من التصعيد".
بالتوازي مع تنفيذ الاعتصام، كان نحو 320 نازحاً سورياً يغادرون منطقة النبطية الى بلادهم، بعدما أرهقتهم الازمة الاقتصادية والمعيشية، وأفقدت غالبيتهم فرص العمل.
لساعات طويلة انتظر النازحون، ومعظمهم من الأطفال والنساء والشبان في مدرسة عبد اللطيف فياض، بعد تأخر وصول الباصات التي ستقلهم، ضمن الحملة الطوعية لعودة النازحين التي ينفذها الأمن العام. وأكد أغلبهم أن سبب العودة اقتصادي. وأشار مسؤول العمال السوريين في لبنان مصطفى منصور إلى أنّ "النازحين سيعودون بأعداد كبيرة في المرحلة المقبلة، وأنّ الأوضاع الاقتصادية هي التي تحفّزهم على العودة بعد استقرار الوضع في سوريا، وأنّ 320 نازحاً يعتبر رقماً كبيراً على منطقة النبطية وهي تسجله للمرة الأولى".
إلى ذلك، عاشت النبطية أجواء الميلاد. وعلاقة التآخي هي التي جمعت سامية بوسام منذ عشرين عاماً. الجارتان المسيحية والشيعية، اللتان تقطنان البناية نفسها في حارة المسيحيين في النبطية، تقدمان نموذجاً عن العيش الواحد، في بلد تمزقه الازمات. ومع ذلك، لم تدخل السياسة يوماً زواريب الحارة ولا المدينة.
تكاد تكون الحارة مهجورة، فمعظم أهلها غادروها قبل سنوات، ومع ذلك يعود معظمهم يوم الميلاد الذي يشاركونه مع أخوتهم من الطائفة الشيعية، في تأكيد واضح على معاني المحبة التي تسود بينهم. لطالما تفاخرت النبطية بأنها نموذج العيش الواحد، و"للحارة" رمزيتها الخاصة بين أبناء المدينة.
يقول أبو جورج الثمانيني إنّ لبنان يحتاج تعايشاً يشبه التعايش الذي تقدمه "الحارة" سواء في النبطية أو الكفور.
ما زالت الحارة على حالها، بيوت حجرية قديمة تحفظ تاريخ أهلها، تجاور بيوتاً حديثة المنشأ، والمسجد لا يبعد سوى أمتار عن كنيسة السيدة. ورفع أبناء "الحارة" شجرة الميلاد في ساحة كنيسة السيدة، وقرعوا أجراس العيد، على أمل أن يحمل العيد "السلام والاستقرار للبنان".
في أحد الأزقة، يقع منزل المختارة سامية. قبالتها تسكن جارتها وسام، تتعايشان معاً على "الحلوة والمرة" منذ أكثر من عشرين عاماً وتتشاركان العيد معاً. سامية تواسي وسام في عاشوراء، ووسام تساعد سامية في إعداد حلوى الميلاد، تعدّان المغلي، كما تتشاركان تزيين الشجرة. تؤكد وسام أنّ "المحبة مثياق علاقتها بجارتها سامية، وهي المحبة التي يجب ان تعمّ الوطن في هذا الظرف العصيب".