عيسى مخلوف

المدينة التي تستيقظ في كلمات الكتّاب والشعراء

4 دقائق للقراءة

مع ثورة شابّات لبنان وشبابه الذين رفضوا أن يظلّ بلدهم مغارة للّصوص والمجرمين، ونزعوا الكَفَن الطائفي بهذه الصورة غير المسبوقة، حضرت في الذهن بعض النتاجات الأدبية لشاعرات وشعراء باللغة الفرنسيّة، وهي نتاجات استلهمت لبنان سواء بصورة واضحة جليّة، كما في مؤلّفات ناديا تويني وأندريه شديد وفينوس خوري غاتا أو بطريقة مُضمَرة كما في قصائد كتبها جورج شحادة وصلاح ستيتيّة. في مجموعتها "لبنان، عشرون قصيدة من أجل حبّ"، توحّدت ناديا تويني، التي كانت تعاني من مرض السرطان، بأرض مزّقتها الحرب، فكتبت لها ولأهلها نشيد حبّ، وعنونت قصائدها بأسماء بعض المدن، من بيروت وطرابلس إلى صيدا وصور. وهي المدن التي أعادت إليها الروح صيحاتُ المتظاهرين الذين يتطلّعون إلى التغيير وإلى وضع حدّ لنظام متخلّف ومفترس يعتاش، منذ عقود من الزمن، على تغذية الانقسامات ومصّ الدماء.

في قصيدة "بيروت"، تقول ناديا تويني إنّ هذه المدينة التي "ماتت ألف مرة وعاشت ألف مرّة من جديد"، هي "الملاذ الأخير في الشرق حيث يمكن الإنسان دائماً أن يرتدي الضوء". وفي موضع آخر، تحضر بيروت في موازاة جروح الذات: "أحببني اليوم مثلما نحبّ الذين يمضون/ مطعونين بشعاع شمس". أمّا في قصيدة جورج شحادة التي يحكي فيها عن الأمكنة الأكثر عمقاً، تلك التي يطالها الشعر وتصبح هي المكان في عرائه الكامل وفي وجوده، فمن لا يلمح لبنان الثائر اليوم، وجبل لبنان، بشمسه وضبابه ووعوده. جاء في القصيدة: "على جبلٍ/ حيث القُطعان تكلّم البرد/ كما كان يفعل الله/ حيث الشمس في مَنابتها/ ثمّة حظائر مليئة بالعذوبة/ للّذي يمشي في سلام روحه/ أحلم بذاك البلد/ هناك حيث القلق من طينة الهواء/ حيث الرُّقاد يسقط في الآبار/ أحلم وأنا هنا/ أمامي جدار من بنفسج وهذه المرأة/ ورُكبَتُها المُنفرجة مَشَقّة لا حَصر لها". وأيضاً، في مسرحية شحادة وعنوانها "مهاجر بريسبان"، لا تغيب عنّا صورة المهاجر اللبناني في بقاع الأرض.

سواء خلال الحرب الأهليّة أو قبلها أو بعدها، استوحى الكثير من الكتّاب اللبنانيين، مقيمين ومغتربين، واقع بلدهم، كما يستوحون الثورة الآن، في لحظة التحوُّل التي يعيشها هذا البلد. في النشرة الشعريّة الصادرة حديثاً في بيروت تحت اسم "نيزك"، طالعتنا أقلام كثيرة لشعراء وكتّاب في مجالات مختلفة. نقرأ في كلمة الباحث والمؤرّخ أحمد بيضون: "الآن أشعر أنّ بيروت تنقلب على مواطن الخطر في تاريخها المعاصر. هي تنفِّذ الآن انقلاباً خطراً (...) تنفّذه ومعها غيرها من مدن لبنان ونواحيه فلا تستأثر بانقلابها على نفسها. لذا هي جميلة الآن. الذين أدمنوا الغزل بما كانوا يرونه جمالاً فيها أحبّهم أن يدركوا كم جمالها الحالي جديد، كيف أنّها تُحصِّل جمالاً لا عهد لها ولا لنا به". ويضيف: "بيروتي أنا أصبحت جميلة جداً في هذه الأيام. وجمالها الجديد أمانة عظيمة في يدها: في أيدينا". ثمّة، في النشرة أيضاً، قصائد تذهب مباشرةً نحو الثورة وتلهج بذِكرها من دون أن تحيد عن الشعر ومن دون أن تسقط في الشعارات. يقول جوزيف عيساوي: "الثورة أن تشرقَ كأوّل فجر ذوَّب ظلام الكون". وفي قصيدة "السمفونية الخامسة للثورة"، يتوجّه محمد ناصر الدين إلى "العصفور المهذّب"، "الأكبر سنّاً بين العصافير". من جهتها، تردّد زينب عسّاف: "الثورة معجم يعرّف الأشياء/ يخرجها من القبّعة./ الثورة يدٌ هائلة تسحب أحلامنا/ حلماً حلماً نحو الضوء،/ الثورة قصيدة نثر الشارع". أمّا يوسف بزي فنسمعه يبوح: "في فمي/ هذا الحبّ الذي يتحدّث،/ في يدي/ هذا الحجر الذي يموت،/ في قلبي/ هذه المدينة التي تستيقظ".

لا تتوقّف كلمات الكتّاب عن الثورة عند هذا الحدّ، بل تطالعنا يومياً في مقالات ونصوص منشورة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، ونسبة كبيرة منها تشهد ضدّ الظلم والفساد وتنتصر للعدل والحرّيّة. الحالمون بالخلاص يعرفون أنّ أبواب الأمل مفتوحة مهما حاول أسياد الظلام إغلاقها، ومهما سعوا إلى إجهاض فرصة الحياة الجديدة. الحالمون بالخلاص يعرفون أيضاً أنّ من يحرّر مجتمعه من الخوف قادر على تحريره من العبوديّة والفوضى والموت.