قد يكون التسلسل المتوقّع للأمور بعد إعلان الرئيس ميشال عون توقيعه مرسوم قبول استقالة الحكومة الذي نقض فيه بياناً صدر عن الرئاسة الأولى نفى هذه المعلومات «المختلقة»، ثم طلبه في رسالته إلى البرلمان أن ينتخب رئيساً للجمهورية، أو أن ينزع تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، فرض على الأخير أن يوجّه رسالة مقابلة تردّ على ما ساقه الرئيس عون معتبراً أن توقيعه مرسوم الاستقالة يفتقر الى أي قيمة دستورية. إلّا أن رسالة عون، مثل توقيعه مرسوم قبول الاستقالة، وطلبه اعتذار ميقاتي، أمور لا تدخل في سياق نزاع دستوري على الإطلاق، بل هي خطوات سياسية في المقام الأول، حتى يرد عليه رئيس الحكومة من الزاوية الدستورية.
ربما هدف رد ميقاتي التمهيد لعرض الحجج الدستورية المقابلة التي تسلح بها عون ، كي يطلع عليها البرلمان قبل أن يعمد رئيسه نبيه بري إلى دعوة هيئة مكتبه من أجل عرض الرسالة وتحديد موعد للجلسة. لكن المشكلة ليست دستورية أو قانونية. وهو أمر يدركه جيداً الرئيسان عون وميقاتي وجميع اللبنانيين. فما يحصل أنه يجري تظهير الأزمة السياسية بلبوس دستوري مفتعل. حتى الخبراء القانونيون الذي برروا للرئيس عون إصداره مرسوم استقالة الحكومة سبق أن أقروا بأنها تؤكد المؤكد، وأن هدفها سياسي واستباق، لمنع حكومة تصريف الأعمال من تسلم صلاحيات الرئاسة. مع ذلك وفي سياق السجال القانوني الدستوري المفتعل، ثمة من سأل بخبث: إذا التأم البرلمان من أجل مناقشة رسالة عون، ضمن مهلة الثلاثة أيام التي يتوجب على رئيسه أن يدعو خلالها البرلمان لمناقشتها، وأخذ قراراً ما يجيب على ما طرحه فيها، لمن سيرسل هذا الجواب طالما أن رئيس الجمهورية يكون قد بات مواطناً لبنانياً عادياً؟ هل يرسل البرلمان جوابه على ما طلبه عون منه إلى حكومة تصريف الأعمال برئاسة ميقاتي، التي يفترض أنها تسلمت صلاحيات الرئاسة بحكم الشغور فيها، أم يرسله إلى الرابية، أم يكتفي بالجواب عبر وسائل الإعلام؟ المناكدة والمماحكة التي سبقت ورافقت مأساة «الفراغ الجهنمي» في السلطة، فرضت هذا النوع من الأسئلة بسخرية سوداء، في الأزمة التي تعصف بالبلد. ومع تفهّم العقل البارد في السياسية، أن يحتفل جمهور الرئيس عون به ورد الاعتبار له بعد السنوات الست العجاف التي حمّله معظم اللبنانيين قسطاً عالياً من المسؤولية عن الثلاث الأخيرات، الكارثية منها، فإن ما جرى بالأمس هو احتفال وداعي لعون في الرئاسة، وحفلة تنصيب رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل كوريث سياسي له في قيادة المعركة السياسية الهادفة إلى ضمان موقعه في إعادة تكوين السلطة التي ستنشأ عندما يحين الأوان. هذا هو الهدف الأول والأخير لكل المشهد الركيك الذي يملأ الفضاء السياسي في هذه الأيام والذي عنوانه إما نحكم نحن وإما لا حكم. في الانتظار، تبدو «دونكيشوتية» مملة، كل المحاولات اليائسة لإكساب باسيل صفة المرشح للرئاسة، وصولاً إلى وهم ترئيسه بحيث تزول العقوبات الأميركية عنه على وقع خيال خصب، يبني الآمال على اتفاقٍ أميركيٍ إيراني، يزيل العقوبات عن طهران فيكون هو جزءاً من الصفقة، أو هدية له بعد تمرير ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل.
ربما كانت الضجة المفتعلة تحت مظلة «الفوضى الدستورية»، طريقة خادعة لتمرير الوقت في انتظار جاهزية «حزب الله» لملء الفراغ الرئاسي على التوقيت الإيراني. وليس عن عبث قال البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي في عظته أمس: «إن الفراغ في الرئاسة أمرٌ مدبر ومخطط له، إما لإطالة الشغور الرئاسي، وإما لفرض رئيس من خارج الثوابت الوطنية يكون خاضعاً للمشاريع المتجولة في المنطقة».
رغم حديث الفراغيْن الرئاسي والحكومي، فإن جوهر الأزمة السياسية التي يغلفها السجال الدستوري هي تأخير انتخاب الرئيس على قاعدة «إما نحن نحكم أو لا سلطة ولا حكم». باستطاعة ميقاتي أن يقول إنه موجود كرئيس حكومة تصريف الأعمال بسبب مساهمة الفريق العوني في الفراغ الرئاسي مع كتل نيابية أخرى، وملء الفراغ الذي يغني عن تولي حكومته صلاحيات الرئاسة، مسؤولية تلك الكتل، فيما هو ليس نائباً ولا يرأس كتلة نيابية. وما صدر عن ميقاتي لا يشير إلى نيّته عقد جلسات لمجلس الوزراء، بعد الفراغ في شكل يغني عن تهديد وزراء باسيل بعدم حضورها. لكن إذا حصل حدث ما أو اضطر ظرف قاهر يتعلق بمصلحة الدولة وقوة الضرورة الطارئة أن يحصل اجتماع لمجلس الوزراء، فأي وزير سيتحمل مسؤولية المقاطعة أما الناس والبلد؟ رغم رفض عون وباسيل الاعتراف بشرعية الحكومة، غداً سيمثّل ميقاتي لبنان في القمة العربية. وإذا قرر حضور القمة الفرنكوفونية في جربا في تونس في 19 الجاري، سيحصل على اعتراف دولي آخر بتمثيل لبنان...