بشارة شربل

"قمة الجزائر" وحضورنا الباهت

2 تشرين الثاني 2022

02 : 00

هي الصُدفة أرادت أن توجِّه الى "العهد البائد" صفعة في اليوم الأول لجلائه عن سُدَّة الرئاسة. ففيما صراخ المواكبين للخروج "المهيب"، وفحيح رسالة القصر الى البرلمان، يطنَّان في الآذان استنكاراً لـ"استيلاء" الرئيس ميقاتي على صلاحيات الرئيس الماروني، كان دولة مصرِّف الأعمال يترأس وفداً وزارياً "شبه عوني" الى القمة العربية ليلقى في الجزائر ترحيباً كما رؤساء الدول.

لا يدخل الحدث في إطار "التمريك" على الذين حاولوا بديماغوجية وتهويل أن يحوِّلوا دستورية "تصريف الأعمال" انتهاكاً صارخاً للدستور، ومرتكزاً لما أسموه "فوضى دستورية" لم تصمد وقتاً يساوي مسافة الطريق بين بعبدا والرابية. خطوة ميقاتي ممارسة فعلية لصلاحية استثنائية، تسبب بها صُنَّاع الشغور الرئاسي المنتظِر من "حزب الله" إقناع جبران باسيل بأن توريثه مستحيل شكلاً ومضموناً كونه "لا يُبلَعُ"، ليس من خصومه السياديين فحسب، بل خصوصاً من حليف حليفه اللدود الأقرب الى قلب السيد نصرالله، مهما كان حجم التقدير للخدمات التي أداها عون للحزب ومهما كانت طواعية باسيل.

بمشاركة الوزيرين فياض وبو حبيب في قمة "لمّ الشمل"، يخسَر باسيل نقطة إضافية، تمثلت في تهديده بأن يقاطع الوزراء المسيحيون الموالون له تصريف الأعمال. ولم يكن أوجب من تلك المناسبة السياسية الكبيرة لتنفيذ تهديده وإظهار حجمه الوزاري ومدى قدرته على نزع شرعية رئيس الحكومة أمام اللبنانيين والعرب أجمعين... لكن يبدو أن "طواحين الهواء" تأتي أيضاً عبر التوريث!

على أي حال، مشاركة الرئيس ميقاتي في القمة لن "تشيل الزير من البير". فالكل يعلم ان لبنان ليس من ضمن الأولويات على جدول الأعمال. والقمة متواضعة حضوراً وأهدافاً لأن الخلافات العربية البينية أكبر من التوافقات. فلا المجتمعون يستطيعون وضع يدهم على الخلاف المغربي الجزائري الذي يصلح عنواناً لقمة 1 تشرين الثاني 2022، ولا بإمكانهم اجتراح حلول سريعة لنزاعات مستعصية في ليبيا وسوريا واليمن. غير أن التأكيد على قرارات الجامعة العربية التي تدعو الى رفع الأيادي الخارجية الايرانية، والتركية بالتحديد، يشير الى تمسك الدول العربية بسيادتها ووحدة شعبها وبوجوب العودة الى حد أدنى من "النظام العربي".

بيانات القمة هي ملعب الرئيس ميقاتي. هناكَ مُحترَفُ "تدوير الزوايا" وتأجيل الحلول والكلام اللطيف بدءاً من التشديد على "التضامن العربي" وصولاً الى "القضية المركزية" فلسطين. لكن ربما شعر الوزير بو حبيب بغصَّة كونه لم يستطع تحقيق رغبة جبران باسيل الأبدية في إعادة سوريا الى مقعدها في الجامعة، ولعله يدرك أن المحاولات المستميتة السابقة كان أساسها الاستثمار السياسي في فواتير مدفوعة سلفاً للمحور السوري - الايراني. قد يشعر الوفد الميقاتي بالإنجاز عبر الترحيب بشرعية حكومته والاعتراض على وصف "حزب الله" بالإرهابي، لكنه سيخفض جناح الذل حين يُساءَل عن دور "الحزب" الخارجي، ولن يُسجِّل سوى حضوره الباهت والصور الصالحة لأرشيف الوزير فياض الطريف.

في المحصلة، فإن مشاركة لبنان بحد ذاتها ضرورية، ربما لنجدد ثقتنا بأن لدينا دولة مستقلة حتى ولو أن الحكام الفاسدين حولوها خراباً، ولتجديد ثقة العرب بنا رغم علمهم بأن تحرُّرنا من ساكن بعبدا خفَّف الحِمل، لكنه ثقيل ثقيل.