تفاقمت أزمة المصارف وازدادت العلاقة سوءاً بين الموظفين والمودعين الذين خاضوا معركة المطالبة بأموالهم المحتجزة، رافضين كل" المبررات" المقترحة، بالتريث والتمهل والانتظار، على أمل الانفراج قريباً.
ومع اول يوم عمل في العام الجديد، عاد المواطنون لممارسة سياسة الضغط بهدف الإستحصال على اموالهم، ما تسبب في وقوع مواجهة في احد المصارف تحولت الى حالة هرج ومرج ما اضطر المصرف الى اقفال ابوابه وهو ما تصدى له المواطنون الذين رفضوا الخروج قبل الحصول على مالهم.
وسأل احدهم "اين قانون الدولة الذي يفرض على المصارف ويؤمن حماية لأموال الناس؟ ورددت أخرى "نحن مش شحادين، وما بيحق لحدا يقرر قديش بدنا نسحب، اموالنا وبدنا ياها"، فيما صرخ ابو حمزة بملء حنجرته "هيدي خامس مرة بجي بدي اخد مصاري وما بيسمحولي، وللاسف الدرك ما بيدافعوا عنا بس حامين قلعة حكام المال، شو ناطرة الناس لتخرج عن صمتا".
حملة" وطني"
وكان الغضب قد تزامن مع حملة توعية قادها شبان من حملة "وطني"، وزعوا خلالها ملصقات حملت عنوان "شو بتعمل اذا رفض المصرف يدفعلك مصرياتك؟"، وتهدف الى الاضاءة على المواد القانونية التي يمكن ان يتسلح بها المواطن في المطالبة بأمواله، ورأى حسين نور الدين وهو احد المشاركين في الحملة: "ازاء ما يحصل داخل المصارف من تسلط واستبداد واستقواء على الناس، بات حري بنا ان نتحرك لنكون سنداً لاهلنا، ارتأينا ان ننطلق بهذه الحملة لنحمي المودعين الصغار"، مؤكداً ان "حملتنا لنشرح للناس كيف تتصرف وبالقانون كيف تحمي اموالها من حيتان المال، خاصة في ظل الهاجس الذي يتربص بهم من احتمال خسارة اموالهم في ظل موجة الافلاس الاقتصادي التي يشهدها لبنان".
ودفعت ازمة "حجر الاموال" الى تنشيط تجارة شيكات البنكير، في ظل حاجة المواطن للسيولة من جهة وخوفاً من خسارة جنى عمره، ولو خسر جزءاً من ماله، اذ يضطر المواطن الى دفع نسبة تصل الى 30بالمئة من قيمة الحساب لتحويله "نقداً". ابراهيم احد الاشخاص الذي اضطر لبيع شيك ليحصل على سيولة، يقول لـ"نداء الوطن": "كنت املك 100الف دولار في الحساب، وعلى مر 5سنوات حصلت على فائدة وصلت الى 15الف دولار، اي وصل حسابي الى ١١٥ الف دولار، حولتهم شيك banker، وحين بعته وصل سعره الى 70الف دولار، اي انني خسرت 30الفاً من الرأسمال اضافة الى الفائدة، هذه جريمة تتحمل وزرها دولتنا، التي تسمح للمصارف بالتحكم اموالنا".
دفعت سيطرة المصارف على الاموال الى ازدهار تجارة الـbanker ووفق المعلومات فإن من يشتريها هم تجار النفط، الذين يستغلون حاجة الناس للسيولة ويفرضون السعر الذي يريدون خاصة وان قسماً كبيراً من المودعين حول امواله banker ويعمد الى بيعها اما الى تجار البناء او النفط او المحطات، وبالتالي فإن "هؤلاء يعمدون الى تحقيق ارباح طائلة في ظل غياب اي قانون يجرم هذه المعاملات التي يقع المواطن ضحيتها".
غلاء الأسعار
حالة غضب اخرى انطلقت جراء تلاعب أصحاب المحال التجارية بالأسعار، اذ يعمدون الى عرض سلعهم بالليرة اللبنانية ويُصدرون الفاتورة بالدولار، ما يتوجب على الزبون ان يدفع بالدولار وبسعر الـ2100.
الامر الذي اثار حفيظة فاطمة التي كانت قد اشترت براداً وغسالة وغازاً بسعر اللبناني من احد المحال في النبطية عن طريق " التقسيط" وتفاجأت انه عليها الدفع بالدولار اي انه بات عليها ان تسدد اقساط ما اشترته بشكل مضاعف ما حدا بها للقول "نسرق بعضنا، يستغلون الازمة لتحقيق ارباح مضاعفة على حساب الفئات الفقيرة"، وتسأل "اين جمعية حماية المستهلك، لا احد يتحرك واذا تخلفنا عن الدفع تترتب علينا فوائد اضافية، عن جد صار الوضع بدو علاج كيماوي".
حياكة النايلون
وكل السلع ارتفع سعرها حتى الخضار والفاكهة، ما دفع المواطنين للتحايل على يومياتهم وايجاد سبل عيش إضافية، وهذا حال رنا الامين التي اختارت حياكة اكياس النايلون وتحويلها بسطاً ودعسات للمنازل. ففي وقت ما زالت ازمة النفايات تراوح مكانها من دون اي معالجة، كانت الامين تعمل على تدويرها وتحويلها مورد رزق لها ولبناتها، اذ تعمل على جمع الاكياس من منازل بلدتها شقرا، تغسلها وتقصها شرائط لتنطلق بعدها في حياكتها بأشكال واحجام والوان متعددة، معتمدة على خبرتها في حياكة "الكروشيه" التي تعلمتها عن امها.
لا تتردد بالقول "انها تحاول التخفيف من اثر النايلون على البيئة، فالاكياس تحتاج ملايين السنين لتتحلل، وانا اعمل على اعادة تدويرها فنياً، في اعمال صديقة للبيئة". وتشير الامين التي اتخذت من حياكة النايلون فرصة عملها الى ان انجاز اي قطعة يحتاج عمل 24ساعة متواصلة، "تدمج خلالها الالوان بشكل متناسق لتنتج قطعة غاية في الدقة".
فالاكياس التي تشكل ضرراً كبيراً على صحة المواطن وتسبب له الامراض وايضاً تلوث الطبيعة، وبات في عهدة رنا مادة اولية لفن "الكروشيه" الذي تمتهنه، فقد استعاضت عن الخيطان بالنايلون، واتت النتيجة لافتة بل ذات جودة عالية.
وتلفت الى أنها تحاول ان تقدم نموذجاً حياً عن اهمية الاستفادة من كل مقدرات واقعنا، وتشير الى أنها تعمل على ترسيخ قاعدة فنية جديدة من اعادة تدوير النفايات، "فكل شيء ممكن الاستفادة منه لنخفف على البيئة التلوث".
لا تخفي رنا ان "الناس تستغرب الامر وربما لا تتقبله"، لكنها تؤكد انها "بدأت اعمالها تأخذ رواجاً، وتأمل ان تتوسع رقعة عملها لتشمل الجرار والسلال والمزهريات وغيرها من الاعمال الفنية التي لا تقل اهمية عن اي شيء آخر. وحول اسعار اعمالها تقول "يتراوح سعر الطقم ذي الثلاث قطع بين 30و35 الف ليرة، وانها تنفذ اي عمل يريده الزبون والشكل الذي يرغب به حتى الألوان ايضاً، فليس هناك شيء صعب. احب ما اقوم به وارغب في تعميمه اكثر، وآمل ان احظى بالدعم اقله في تصريف الانتاج وتعميم هذا الفن الصديق للبيئة، لان بيئتنا بخطر ويجب ان نتضامن معاً لحمايتها".يسجل سنوياً استهلاك اكثر من 120كيس نايلون للفرد في لبنان وهو معدل خطير نسبياً، وفيما تدعو وزارة البيئة اللبنانيين للتخفيف من استهلاك هذه الاكياس، تقدم رنا الامين حلاً متواضعاً يقضي باعادة تدويره بأعمال فنية ذات قيمة عالية، وهي تنتظر من يتلقف مبادرتها ويدعمها اقله في تصريف الإنتاج لتوسع عملها وتستقطب ايدي عاملة جديدة فهل من يؤمن بالفكرة؟".