جاد حداد

الساحر آل باتشينو... بين تعثّر ونجاح

5 تشرين الثاني 2022

02 : 01

يُعتبر الممثل المتألق آل باتشينو المعروف بأدائه التمثيلي القوي والمتفجر من أفضل الممثلين في العالم، وغالباً ما تُصنف شخصية "مايكل كورليوني" في ثلاثية The Godfather (العرّاب) من أفضل الأدوار السينمائية على الإطلاق. لكن يعتبره آخرون صاحب خدعة تمثيلية واحدة وممثلاً يجسّد شخصيته الحقيقية طوال الوقت. ماذا وراء هذه المسيرة الناجحة؟

وُلِد ألفريدو جيمس باتشينو في 25 نيسان 1940، في شرق هارلم، نيويورك، وهو ابن سلفاتوري باتشينو وروز جيراردي. في تلك الفترة، كانت منطقة شرق هارلم تُعرَف باسم "هارلم الإيطالية"، نظراً إلى كمّ المهاجرين المقيمين فيها منذ أواخر القرن التاسع عشر. تخلى عنه والده حين كان طفلاً، وتطلّق والداه حين كان في عمر السنتين.

بعد الطلاق، انتقل سلفاتوري من نيويورك للعمل كوسيط تأمين وصاحب مطعم في كوفينا، كاليفورنيا. بقي ألفريدو الصغير مع والدته وانتقلا إلى حي "برونكس" للعيش مع والدَيها كيت وجيمس جيراردي، وهما مهاجران إيطاليان من "كورليوني" في صقلية.

تعرّف هذا الطفل الخجول على فن التمثيل في عمرٍ مبكر بفضل والدته التي كانت تعشق السينما. بحلول عمر السادسة، كان آل الصغير وحيداً لدرجة أن يمضي كامل وقته وهو يعيد تمثيل الشخصيات التي شاهدها في الأفلام.

كان باتشينو يتورط في شجارات متقطعة في حي "برونكس" واعتُبِر مثيراً للمشاكل في المدرسة. بدأ يدخّن السجائر في عمر التاسعة، وراح يشرب الخمر بعد وقتٍ قصير، وكان من النوع الذي لا يتردد في سرقة أموال الأولاد الآخرين. بعد فترة قصيرة، أراد خوض مغامرات إضافية وراح يهرب من منزله لعيش لحظات من التشويق بدءاً من عمر الحادية عشرة.

لكن سرعان ما تبدّلت حياة هذا الفتى المشاغب بطريقة سحرية. صرّح آل لصحيفة "ذا غارديان": "حين كنتُ في الرابعة عشرة من عمري، حَضَر مسرح متنقّل إلى "برونكس" وقدّم مسرحية The Seagull (النورس) في دار سينما قديمة. لم يكن الأداء جيداً على الأرجح، لكني لم أشاهد عرضاً مماثلاً يوماً. تغيّرت حياتي في ذلك اليوم".

في سن المراهقة، شارك آل باتشينو في مسرحيات بسيطة في الطابق السفلي لمسرح نيويورك، لكن رفضته شركة الإنتاج المعروفة Actors Studio في تلك المرحلة. ثم انتقل إلى بلدة "غرينويتش" في عمر التاسعة عشرة لمتابعة التمثيل، فانضمّ هناك إلى منظمة HB Studio لصاحبها هيربرت بيرغوف.

كان تشارلي لوتون واحداً من الأساتذة هناك، وسرعان ما أصبح مرشده وصديقه المقرّب. في تلك الفترة، كان باتشينو عاطلاً عن العمل ومشرّداً، وكان ينام أحياناً في الشارع، أو المسارح، أو في منازل أصدقائه.

بلغ آل ذروة النجاح في حياته المهنية لاحقاً وكان وضعه ممتازاً طوال خمسين سنة تقريباً، لكن لا يعني ذلك أن حياته كانت مثالية دوماً، فهو عاش معاناة كبرى قبل أن يصل إلى أعلى المراتب. على غرار معظم الأولاد بعد ترك المدرسة الثانوية، عمل آل في وظائف متنوعة في شبابه لتسديد كلفة دراسة التمثيل والاعتناء بوالدته.

في العام 1962، توفيت والدته روز عن عمر 43 عاماً. بعد تخلي والده عنه في عمر مبكر، اعتنت روز بابنها وحدها وعرّفته على عالم الأفلام وشجّعته على متابعة التمثيل، لكنها توفيت للأسف قبل أن يصبح واحداً من أشهر الأسماء في برودواي وهوليوود.

قابل آل باتشينو الممثلة جيل كليبورغ وأُغرِم بها أثناء مشاركته في مسرحية جان كلود فان إيتالي، America Hurrah. عاد الثنائي إلى نيويورك معاً وعاشا علاقة عاطفية طوال خمس سنوات. ترشّحت جيل لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل ممثلة في العامَين 1979 و1980، لكنها توفيت في العام 2010 عن عمر 66 عاماً.

في العام 1968، شارك باتشينو في مسرحية The Indian Wants the Bronx (الهندي يريد البرونكس) للكاتب يسرائيل هوروفيتس في مسرح "أستور بليس"، فقدّم شخصية المتسكع "ميرف". ثم فاز بجائزة "أوبي" عن فئة أفضل ممثل بفضل هذا الدور. قدّم آل 177 عرضاً من هذه المسرحية، وشارك في الوقت نفسه في مسرحية It's Called the Sugar Plum (اسمه البرقوق المُحلّى) من بطولة حبيبته جيل كليبورغ.

في العام 1969، شارك باتشينو في مسرحية ? Does a Tiger Wear a Necktie (هل يرتدي النمر ربطة عنق؟)، على مسرح "برودواي"، وهي دراما مشحونة عن مراهقين مدمنين على المخدرات في مركز إعادة تأهيل. فاز باتشينو بجائزة "توني" المرموقة عن دور "بيكهام".

بعد نجاحه في المسرح، مثّل باتشينو في أول فيلم له خلال السنة نفسها، فكانت إطلالته قصيرة في الفيلم المستقل Me, Natalie (أنا ناتالي) عن شابة تقيم في نيويورك، وكان العمل من بطولة باتي ديوك. في العام 1970، وقّع باتشينو عقداً مع وكالة المواهب Creative Management Associates، ثم فتحت هوليوود أبوابها أمامه.



آل باتشينو متسلّماً جائزة الأوسكار | ١٩٩٣



The Godfather... نقطة التحوّل الكبرى

كان دور باتشينو كمدمن على المخدرات في فيلم The Panic in Needle Park (ذعر في "نيدل بارك")، في العام 1971، كفيلاً بجذب انتباه المخرج فرانسيس فورد كوبولا الذي اختاره لدور البطولة في فيلم The Godfather (1972). لكن شارك في تجارب الأداء الخاصة بشخصية "مايكل كورليوني" ممثلون آخرون من أمثال جاك نيكلسون، روبرت ريدفورد، وارين بيتي وروبرت دي نيرو الذي كان ممثلاً صاعداً وغير معروف في تلك الفترة. اختار كوبولا آل باتشينو رغم استياء مدراء شركة الإنتاج الذين فضّلوا اختيار وجه معروف.

لكن تغيّر الوضع بالكامل حين صوّر باتشينو المشهد الذي يقتل فيه "مايكل كورليوني" "سولوزو" و"ماكلاسكي"، فأُغرِم المنتجون بأدائه، وعاد الفيلم وحصد 11 ترشيحاً لجوائز الأوسكار وفاز بثلاثة منها.

في العام 1993، فاز آل أخيراً بجائزة أوسكار عن فئة أفضل ممثل على دور الملازم الأميركي الأعمى "فرانك سليد" في فيلم Scent of a Woman (رائحة امرأة) للمخرج مارتن بريست. في تلك السنة، ترشّح أيضاً عن فئة أفضل ممثل مساعِد في فيلم Glengarry Glen Ross، فأصبح باتشينو بذلك أول ممثل على الإطلاق يترشّح عن فيلمَين في السنة نفسها ويفوز بالجائزة عن دور البطولة.

في العام 1996، خاض باتشينو أول تجربة له في عالم الإخراج، وهو فيلم وثائقـــي بعنوانLooking for Richard (البحث عن ريتشارد)، حيث يؤدي شخصيته الحقيقيــــة ودور "ريتشارد الثالث" في آن. يعرض الفيلم مشاهد منتقاة من مسرحية Richard III لويليام شكسبير، ويحلل بصمة شكسبير في عالم المسرح والثقافة الشعبية طوال أربعمائة سنة.

في العام 2007، ظهر آل باتشينو في فيلم Ocean's Thirteen للمخرج ستيفن سودربيرغ، إلى جانب جورج كلوني، وبراد بيت، ومات ديمون، وإليوت غولد، وأندي غارسيا، وقدّم شخصية "ويلي بانك" المعروفة في عالم الكازينوات، وهو الرجل الذي يلاحقه "داني أوشن" وفريقه في الفيلم.



آل باتشينو في مشهد من مسرحيّة The Indian Wants the Bronx



حـــــيـــــاتـــــه الـــــشـــــخـــــصـــــيـــــة

لم يتزوج آل باتشينو يوماً، لكنه أقام علاقات حظيت بتغطية إعلامية واسعة على مر السنين، أبرزها علاقته المتقطعة مع شريكته في بطولة The Godfather، ديان كيتون. حتى أنه تقرّب من ممثلات أخريات مثل توسداي ويلد، وجيل كليبورغ، ومارث كيلير، وكاثلين كوينلان، وارتبط أيضاً بالمخرجة والمنتجة الأسترالية ليندال هوبز.

أنجب باتشينو ثلاثة أولاد. وُلِدت ابنته الكبرى جولي ماري في العام 1989، وكانت والدتها مدرّبة تمثيل اسمها جان تارانت. كما أنه أنجب التوأم أنتون جيمس وأوليفيا روز، في 25 كانون الثاني 2001، من الممثلة بيفرلي دانجيلو الذي ربطته علاقة بها بين العامين 1996 و2003. يحب باتشينو على ما يبدو الارتباط بنساء أصغر منه بكثير، فقد جمعته علاقة مدتها عشر سنوات مع الممثلة الأرجنتينية لوسيلا سولا، بين العامين 2008 و2018. كانت تصغره بأربعين سنة!

إستفاد آل من نجاحه في هوليوود وجاذبيته في علاقاته مع النساء على مر السنين، لكن لم تكن شهرته كافية لإنقاذ علاقته الأخيرة. في العام 2018، بدأ يواعد الممثلة ميتال دوهان التي تصغره بأربعين عاماً أيضاً. بدا هذا الثنائي متناغماً في البداية، وأعلنت دوهان أن علاقتهما غير مرتبطة بالمنافع المادية بل ترتكز على مشاعر متبادلة. لكن انفصل الثنائي في العام 2020، وكشفت دوهان في مقابلة لاحقة أن فارق العمر هو الذي أنهى علاقتهما.

لكل من لم يكتفِ من مشاهدة آل باتشينو، يمكن متابعته في مسلسله الجديد Hunters (الصيادون) على شبكة Amazon Prime، من إنتاج المخرج العبقري جوردن بيلي. يعرض المسلسل قصة فريق متنوع من صيادي النازيين المقيمين في نيويورك، في العام 1977، فيكتشفون مجرمي حرب نازيين يتآمرون لإنشاء "رايخ رابع" في الولايات المتحدة.

يقدّم باتشينو في هذا المسلسل دور "ماير أوفيرمان"، فاعل خير بولندي يهودي وناج من محرقة اليهود يتولى تجنيد الصيادين وقيادتهم. حصد المسلسل إشادة واسعة، حتى أن البعض قارنه بأفلام كوينتين تارانتينو، لا سيما فيلم Inglourious Basterds (أوغاد مجهولون) الذي يتطرق أيضاً إلى مطاردة النازيين.