عيسى مخلوف

من أجل خُصلة شعر

5 دقائق للقراءة

في الأيّام الماضية، نزلت النساء الأفغانيات مجدّداً إلى الشوارع ليقفنَ ضدّ محو النساء والفتيات من الحياة العامّة، وليطالبنَ بأبسط حقوقهنّ الإنسانيّة: التعليم والعمل، على الرغم من القمع الذي تمارسه ضدّهن سلطة طالبان. تظاهرات الأفغانيات ازدادت زخماً في الآونة الأخيرة وبدت كأنها امتداد للتظاهرات المتواصلة في إيران، منذ مقتل الشابّة مهسا أميني في إيران، التي أُوقفت وعُذّبت بعد اعتقالها من قبل الشرطة الدينيّة.

في أحد الأيّام، بعد أعوام طويلة، ستقول الأجيال الآتية إنّ امرأة قُتلت في القرن الحادي والعشرين من أجل خصلة شعر خرجت على غفلة منها إلى الضوء. سيُقال أيضاً إنّ ثمّة نساء أُحرقنَ أو سُحلنَ أو ذُبحنَ. هذا الحقد المتوارث منذ عصور ساهمت في تغذيته وتبريره تقاليد وعادات تجاوزت المجتمعات المتخلّفة والناس الأمّيين لتطال فلاسفة ومفكّرين، وكذلك عدداً من رجال الدين والقدّيسين أنفسهم.

في الغرب أيضاً، ما زال نضال المرأة مستمرّاً رغم ما أحرزه وضعها من تقدُّم. في الثاني عشر من العام 2013، نزعت بعض النساء اللواتي ينتمين إلى الحركة النسويّة "فِيمِن" ملابسهنّ داخل كاتدرائيّة "نوتردام" في باريس احتجاجاً على السلوك العام، أينما كان، ضدّ المرأة. كانت مبادرتهنّ تحدّياً مذهلاً قامت به تلك الحركة النسائيّة مستهدفة من ورائه "الركائز الثلاث للنظام الأبوي الذي كرّس، بحسب رأيها، التمييز واللامساواة، وهذه الركائز هي الآتية: "الديكتاتوريات والأديان وصناعة الجنس". إنّ الطريقة التي عبّرت بها حركة "فِيمِن" عن نفسها دفعت صحيفة "لاكْروا" المسيحيّة إلى نشر مقال عنوانه: "هل الأديان عقبة أمام حقوق المرأة؟". واستدركت الصحيفة أنّ ما جرى داخل الكاتدرائيّة لا يمثّل تحرُّك جهة نسويّة راديكاليّة، بل يتعدّاها ليشمل عدداً كبيراً من الحركات النسويّة في العالم. أمّا موقف الكنيسة الكاثوليكيّة من المرأة فهو كموقف المؤسّسات الدينية الأخرى، جيلاً بعد جيل. إبّان الثورة الفرنسيّة، كان عداء الكنيسة واضحاً وصريحاً ضدّ إضفاء الشرعيّة على الطلاق للمرأة الساعية إلى التخلّص من الزوج العنيف، وذلك لأنّ الكنيسة رأت في ذلك "خطراً يزعزع استقرار المجتمع بشكل كبير". هذا النهج لم يتغيّر كثيراً خلال القرن التاسع عشر عندما وقفت الكنيسة ضدّ حقّ الفتيات في الذهاب إلى المدارس، على الرغم من قوانين التعليم التي ظهرت في العام 1848. يومذاك كان تعلُّم المرأة، في نظر تلك المؤسسة الدينيّة، يتعارض مع صورة "الكاثوليكيّة الصالحة"، أي "الزوجة المطيعة لزوجها والمخلصة لأولادها". وهذا نموذج لا يتوافق مع مفهوم "حقوق المرأة" الذي ظهر مع بدايات الحركات النسائيّة.

في نصّ بعنوان "دودة قَزّ"، استشهد جاك ديريدا بعبارة وردت في الفصل السابع والعشرين من "اعترافات" أغسطينوس: "أحببتُكَ في وقت متأخّر جدًّا،/ يا الجَمال القديم والجديد دائماً / متأخِّرًا جدًّا أحببتكَ! / كنت في داخلي، لكنّي كنتُ في الخارج. /هناك بحثتُ عنك. / وبنعمة الأشياء التي صَنَعَتها يداك، هرعتُ إليك، أنا المنـبوذ! / كنتَ معي ولم أكن معك".

الذي كتبَ هذه الكلمات الرهيفة (وهو أحد آباء الكنيسة البارزين)، يرتعد ويصبح شخصاً آخر عندما يتعلّق الأمر بالمرأة والجسد والجنس. في أحد الأيام، وجّه إلى شخص يُدعى "ليتوس" رسالةً تكشف عن مشاعره العميقة حيال المرأة. قال: "سواء كانت زوجة أو أُمًّا، لا يهمّ. في كلّ امرأة، ثمّة دائماً حوّاء يُخشى منها". هذا الرجل الذي طوّبته الكنيسة الكاثوليكيّة قدّيساً سار على خُطى بولس الرسول في رسالته إلى أهل كورنثوس: "رأس كلّ رجـــل هــو المسيــح، وأمّا رأس المرأة فهو الرجل". وقال في موضع آخر: "إنّ الرجل لا ينبغي أن يغطّي رأسه لكونه صورة الله ومجده".

في العقود الأخيرة، تراجعت الكنيسة عن بعض مواقفها وعُقَدِها حيال النساء، لكنّها لم تتراجع عن كلّ شيء، بينما في بعض الدول العربية والإسلامية، حيث لا قوانين تحمي المرأة ولا مجتمع، بقيَ الصوت المتطرّف هو السيِّد، ومعه النظرة الدونيّة إلى اللواتي يمثّلنَ نصفَ العالم.

كم يبدو الإنسان مزدوجاً وممزَّقاً بين وجهين متناقضين: التقدُّم والتخلُّف، الرفعة والانحطاط. لكن، كم يبدو بعيداً عن هيئة التقدُّم، قريباً من الأزمنة البدائيّة السحيقة، كلّما اندلعت حرب وحلَّت مجاعة، وكلّما حدث تمييز بين الجنسين: هذا التمييز الذي دمغ تاريخ البشريّة منذ ألوف السنين. هذا الصراع العبثي المحكوم بالاستبداد والقهر، بل هذه اللعنة التي لا يعرف الذَّكَر كيف يخرج منها ويتساوى مع نصفه الآخر.

قال ابنُ الإنسان: "من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر". ولم يتخيّل أنّ المرأة ستظلّ، في غير دولة ومكان، تُرجَم وتُقتَل، وبلا ذنب، تارةً باسم الدين، وتارةً أخرى باسم الشرف والأخلاق.

لم يتخيّل أنّ هذا الوضع سيبقى، كأنه قضاء وقَدَر، بعد أكثر من ألفي سنة على مروره بهذه الأرض.