عيسى مخلوف

الجانب المظلم للسلطة الأدبيّة

4 دقائق للقراءة

الكتاب الذي صدر مؤخّراً عن دار "غراسيه" الباريسية تحت عنوان "الموافَقة" للكاتبة الفرنسيّة فانيسا سبرينغورا، أثار حتى قبل صدوره، وبمجرّد الإعلان عنه، عاصفة من ردود الفعل. في هذا الكتاب، تحكي المؤلّفة عن علاقتها العاطفية مع الكاتب غبريال ماتزنيف يوم كانت لا تزال في الرابعة عشرة من عمرها بينما كان هو في الخمسين. كما تتحدّث عن الخطط والتقنيات التي اعتمد عليها للاستئثار بها والأثر الذي تركته هذه العلاقة في نفسها حتى اليوم. ومن المعروف أنّ ماتزنيف لم يخفِ يوماً شغفه بالفتيات والأطفال، ليس فقط من خلال كتبه التي نالت جوائز أبرزها جائزة "رونودو"، وإنما أيضاً من خلال تصريحاته العلنية خصوصاً يوم استضافه برنار بيفو، في العام 1990، في حلقة من برنامجه الأدبي الشهير "أبوستروف". اعترافات فانيسا سبرينغورا التي هزّت بعمق الوسط الأدبي الفرنسي هي، بحسب تعبيرها، "استدراج الصيّاد إلى الفخّ الذي نصبه بنفسه واحتجازه داخل كتاب".

وكتابها يشكّل إدانة صريحة وواضحة لكاتب يتبجّح بعلاقاته الجنسية مع الأطفال، وإدانة للوسط الأدبي ولجميع الذين تواطؤا معه عقوداً من الزمن، بدءاً من الكتّاب أنفسهم ودور النشر (دار "غاليمار" نشرت يوميّات ماتزنيف الحميمة) وصولاً إلى وسائل الإعلام والقانون.

قال برنار بيفو، ردّاً على اتهامه بمسايرة ماتزنيف في برنامجه: "في تلك المرحلة، كان الأدب يأتي قبل الأخلاق، أمّا اليوم فالأخلاق تأتي قبل الأدب"، لكنه تأسّف لأنه لم يستعمل الكلمات اللازمة في حينه وكان من المفترض أن يستعملها. شارك في تلك الحلقة أيضاً عدد من الكتّاب ومن بينهم الكاتبة الكندية دونيز بومباردييه التي اعترضت بشدّة على مواقف ماتزنيف وافتخاره بسلوكه "البيدوفيلي" أمام ملايين المشاهدين، غير آبه للانعكاسات السلبيّة المدمّرة التي يتركها في نفوس ضحاياه، واستنكرت استعمال الأدباء الشهرة والسلطة الأدبية لاصطياد الأطفال معتبرة أنّ الأدب لا يمكن أن يكون، بأيّ حال من الأحوال، ذريعة للوصول إلى مآرب من هذا النوع. غير أنّ الكاتبة الكندية التي ظنّت أنّ الجميع سينتصر لموقفها البديهي، وجدت نفسها وحيدة على الحلبة، وتعرّضت لاحقاً لهجوم شرس طالها شخصياً وطال نتاجها الذي تنصّلت منه دور النشر ووسائل الإعلام الفرنسيّة "طوال ثلاثين عاماً"، على حدّ تعبيرها.

كان تبرير الاستغلال الجنسي للأطفال في الوسط الأدبي، في فترة السبعينات التي أعقبت انتفاضة أيّار 1968، "موضة" سائدة. عام 1977، نشرت صحيفة "لوموند" بياناً كتبه ماتزنيف نفسه مدافعاً عن هذه الظاهرة. وقّع البيان عدد من الكتّاب والفلاسفة ومنهم جان بول سارتر، سيمون دو بوفوار، لويس أراغون، فيليب سوليرز، جاك لانغ، برنار كوشنير. (من الذين رفضوا التوقيع على البيان: ميشال فوكو ومارغريت دوراس).

كتاب "الموافقة" فجَّر قضيّة ماتزنيف من جديد (وهو اليوم في الثالثة والثمانين من العمر)، وأعاد السجال حول آفة "البيدوفيليا" وسبُل مواجهتها. في أحد فصول الكتاب، تروي المؤلّفة كيف اتّخذت قرارها بالتخلّص من ماتزنيف عندما اكتشفت صورته الحقيقيّة، ولجأت إلى منزل صديقه الفيلسوف إميل سيوران ليؤاسيها ويخفّف معاناتها، لكنّه نصحها بأن تبقى معه وأن تكون عوناً له لأنه كاتب، وأن تعتبر أنّ اختيارها من قِبَله هو بمثابة شرف كبير لها. وهذا ما دفعها إلى القول إنّ الكتّاب أنانيّون و"مصّاصو دماء".

لم تنحصر ردود الفعل على كتاب "الموافقة" في الأدباء والنقّاد أنفسهم، بل ذهبت أبعد من ذلك إذ تحرّكت عدّة جمعيات ومؤسّسات إنسانيّة ومنها "تجمُّع البراءة في خطر" الذي ترعاه منظّمة اليونسكو ويُعنى بحماية الأطفال من الاعتداءات الجنسية، وطلب هذا التجمّع من الحكومة الفرنسيّة أن تصادر كُتُب ماتزنيف التي "تدافع عن البيدوفيليا واغتصاب الأطفال". من جهة ثانية، لم يتأخّر ردّ الفعل الرسمي حيال هذا الموضوع إذ صرّح وزير الثقافة الفرنسي فرانك ريستر قائلاً إنّ "الشهرة الأدبية لا تعفي من المحاكمة". ودعا جميع الأطفال الذين يتعرّضون إلى التحرّش الجنسي إلى الإبلاغ مباشرة عن ذلك. وتعكف الحكومة الآن على دراسة مشروع قانون جديد يحمي القاصرين والقاصرات ويدافع عن ضحايا العنف الجنسي.

مرّة أخرى، يُطرح السؤال حول الإبداع والموقف الإنساني ومدى الترابط بينهما. قد يكون الكاتب مبدعاً من الطراز الأوّل، وفي الوقت نفسه أحد أحطّ المخلوقات البشريّة وأحقرها على الإطلاق. ويبقى من المؤكّد أن ليس في مقدور الإبداع، مهما علا شأنه، أن يبرّر ألماً وظلماً أو إهراق نقطة دم واحدة.