د. عماد شيّا

الإعلام المستقلّ والمجتمع السياسيّ: مَن الضحيّة ومَن الجلّاد؟!

9 تشرين الثاني 2022

02 : 00

يطرح ما جرى في استوديو برنامج "صار الوقت" في محطة الـMTV ومحيطها من أحداث، تساؤلات ملحّة عن دور الإعلام ومسؤوليته وواجباته، وعن علاقته الملتبسة بالرأي العام والمجتمع السياسي في لبنان وذهنية استتباعه السلطة الرابعة بعد مصادرته السلطات الثلاث الأخرى والهيمنة عليها.

يعرّف العالم الألماني اوتوغروت الإعلام بأنّه "عملية تزويد الرأي العام بالمعلومات والحقائق والأفكار التي تساعده على اتّخاذ موقف صحيح وصائب من الأحداث والمجريات"، وهو من جهة أخرى "يعبّر عن اتجاهات الجمهور وميوله بشكل متوازن وموضوعي"، وبقدر ما يكون الإعلام صادقاً وموضوعياً في تزويده الرأي العام بالمعلومات والحقائق، وفي تعبيره عن عقليته وميوله، بقدر ما يكون هذا الإعلام صادقاً، سليماً وقويماً.

في ضوء هذا الفهم للإعلام، يتّضح أنّ في لبنان الكثير من المنصات الإعلامية الفئوية التابعة والموجّهة من قبل جماعات الأحزاب والطوائف، والقليل من المؤسسات الإعلامية التي تنطبق عليها معايير الإعلام المستقل، المتنوع، الموضوعي والمتوازن.

تكمن أهميّة الإعلام المتنوع والمستقل خلافاً لأحادية إعلام منظومة الأحزاب الطائفية لا سيما أحزاب السلطة الحاكمة والمهيمنة، في كونه يستقطب اهتمام شرائح وفئات واسعة من الرأي العام، غير منضوية أو تابعة لقوى وأحزاب السلطة الطائفية الحاكمة.

لذا تتسابق هذه الأحزاب بأساليب وطرق مختلفة عبر منظّماتها الشبابية ونوابها أو طواقمها الإعلامية والدعائية على استحواذ أو احتلال مساحات أكثر وأوسع من هذا الإعلام المتنوع والمستقلّ، إيماناً منها بأنّها بذلك تستطيع تفعيل وتوسيع نطاق نشاطها الدعائي والتأثير بشكل أفضل وأفعل بالرأي العام المحايد والمتذبذب أو غير الملتزم والمنتظم في صفوف هذه الأحزاب، وذلك من خلال مخاطبته ومحاولة إقناعه عبر أقنية ومحطات وبرامج الإعلام المستقلة، التي تشكّل في هذه الآونة، محطة الـMTV وبرنامج "صار الوقت" أبرز هذه المحطات والبرامج المستهدفة من قبل أحزاب السلطة الحاكمة مباشرة أو بالواسطة، وبالأخص في هذه الظروف الاجتماعية والسياسية المأزومة والصعبة، حيث تحاول طغمة القوى الحاكمة الاستحواذ على الإعلام المستقل بأيّ شكل لتلميع صورتها والتنصّل من مسؤولياتها عن حال الفقر والبؤس المستفحل وتسيّب مؤسسات الدولة وتسليم مصير البلاد والعباد للمجهول، في ظل خيبة الناس العارمة من أحزاب السلطة ومنصاتها الإعلامية، وحتى تضعضع ثقة جماهير هذه الأحزاب بها وبما تقدمه لها منصاتها الإعلامية والدعائية.

ولعل أكثر الجهات معاناة من أزمة الثقة المتدهورة بينها وبين الرأي العام من جهة وجمهورها الخاص من جهة ثانية، هي "التيار الوطني الحر" الذي يبدو أنّه يمرّ بفترة عصيبة ومتوترة مع نهاية عهد زعيمه التاريخي الجنرال ميشال عون، الذي استنزف خلال سنوات حكمه "القوي" كل ما تبقّى من شعاراته الممجوجة عن السيادة والحرية والإصلاح والتغيير.

لذا لا أعتقد أنّ مشهدية محاولة اجتياح محطة الـ "أم. تي. في" واستوديو برنامج "صار الوقت" الأسبوع الفائت، تخرج عن سياق تعامل "التيار الوطني الحر"، الخارج لتوّه من الحكم بعدما أمسك بتلابيب السلطة مع حليفه "حزب الله" على مدى سنوات العهد العجاف، أو عن سيناريواته بترهيب وإخضاع الإعلام المستقل الذي يمثل برنامج "صار الوقت" ومحطة الـ"أم. تي .في" في هذه اللحظة أحد رموزه، وذلك تحت شعار "خير وسيلة للدفاع الهجوم" .

وبالطبع، لا يمكن إعفاء الاعلام المستقل ومحطة الـ"أم تي في" ولا حتى الإعلامي المتميز مارسيل غانم، من مسؤولية الانسياق والتأثر بموجة وحمى إعلام الواقع الذي قد يبدو عادياً وطبيعياً في غير مكان، والمبالغة أحياناً باستعمال أساليب و"أكسسوارات" لازمة لإحداث الإثارة والتفوّق في التنافس و"الترند"، وذلك من دون إدراك كامل أو احتساب دقيق لما يمكن أن يحصل أو ينتج عن تلك المبالغة بالأخص في مجتمع شديد الحساسية والاستقطاب الطائفي كالمجتمع اللبناني، الموصوف بسرعة الانفعال والتوتر والاشتباك بسبب تعدّد وتنوع كياناته الطائفية والسياسية، وتشابك مصالحها المحلية وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

وتبقى المعضلة الأساسية لدى معظم الفاعلين في المجتمع السياسي وكثيرين من العاملين في المجال الإعلامي في لبنان، عدم التمييز بين الحق في التعبير الإعلامي والصحفي الذي يحب أن يكون نسبياً ويخضع لمبدأ التكامل الحتمي بين الحقوق والالتزامات المهنية والأخلاقية، وبين طبيعة حريات وحقوق الفكر والكتابة الفكرية التي يجب أن تكون مطلقة لأنّ منطلقها وأساسها العقل.

ولعلّ معضلة عدم الإدراك والتمييز بينهما هي من أسباب الأزمة الراهنة والعلاقة الملتبسة بين الإعلام والمجتمع السياسي، وهي معضلة مزمنة في لبنان أعتقد أنّها كانت وراء تكرار الرئيس المصري جمال عبد الناصر قبل عقود عبارته الشهيرة "في لبنان الكثير من حرية الصحافة والقليل من الصحافة الحرة".

(*) أستاذ بالاعلام والتاريخ العام


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.