رفيق خوري

معضلة "التفاهم" في صراع محورين

12 تشرين الثاني 2022

02 : 00

ليس الفراغ سوى سلاح في معركة ضمن حرب أكبر من الرئاسة والجمهورية. ولا أمل في أن تتغيّر الحال بالدعوات الملحة اليومية في الداخل والخارج الى إنتخاب رئيس للجمهورية لأن قدرة الناس والبلد على التحمل في «جهنم» وصلت الى الصفر. فالحاجة الضرورية الى رئيس شيء، والدور المطلوب للرئيس ومنه شيء آخر. والأولوية لدى القوى التي تخوض المعركة مباشرة وبالواسطة في إطار الحرب الأكبر هي لحسابات الصراع الجيوسياسي في لبنان والمنطقة، بصرف النظر عن سطوة الأزمات على اللبنانيين المنكوبين بشكل من «إدارة التوحش»، وعن التحذير من اكتمال الإنهيار ومرحلة ما بعده. وما كنا ننتظر كلام المسؤولة عن الشرق الأوسط في الخارجية الأميركية باربرة ليف لندرك أننا في خطر «تفكك كامل للدولة».

ذلك أن القراءة في الصراع الجيوسياسي تبدأ من مطلب طبيعي وردود الفعل عليه: رئيس سيادي. فمن طبائع الأمور أن يكون رئيس الجمهورية سيادياً، لأن من مهامه الأساسية ممارسة السيادة اللبنانية والحفاظ عليها. والمعنى البسيط للإعتراض على المطلب ووضعه في خانة «التحدي» هو الحرص على رئيس مستعد للتخلي عن السيادة من أجل مشروع مقابل الوصول الى المنصب.

صحيح أن الحسابات الشخصية والفئوية تلعب دوراً في معركة الرئاسة. أقله كعامل بين عوامل التعطيل. لكن الصحيح أيضاً أنه كان من المستحيل على هذه الحسابات الصغيرة وأصحابها الذهاب بعيداً وطويلاً في التعطيل لولا خدمة اللعبة الكبيرة. والكل يعرف كيف وبماذا ولماذا انتهت تلك الحسابات في ثلاث تجارب من الشغور الرئاسي منذ العام 2007.

أما اللعبة الكبيرة، فإنها تدور على الموقع الجيوسياسي للبنان والشرق الأوسط، وتدار من خلال محورين لكل منهما عمقه الإقليمي والدولي. محور يعطي الأولوية لإنهاء «الهيمنة الأميركية» على ما تسميه إيران «غرب آسيا». ومحور يعطي الأولوية للخلاص من «الهيمنة الإيرانية». وفي الحالين يبدو الإنطباع الذي يقدمه المحوران، هو أن التغيير الجذري لجهة بناء الدولة أو لجهة إقامة لبنان آخر غير ممكن قبل إنهاء الهيمنة. وليس ذلك سهلاً. فالتجربة طويلة وراءنا وأمامنا. الحركات القومية التي أدارت الصراع العربي-الإسرائيلي توصلت بعد خيبات الأمل الى الإيمان بأن تحقيق الوحدة العربية هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين. والبعض أضاف الإشتراكية الى الوحدة والتخلص من «الأنظمة الرجعية» قبل أن يكتشف أبو إياد «أن الطريق الى فلسطين تمر في جونية». والنتيجة معروفة.

والمعضلة في لبنان، وسط اصطدام كل محور بالعجز عن إيصال مرشحه الى القصر، هي البحث عن «تفاهم» بين طرفي خلاف جذري ضمن صراع جيوسياسي في المنطقة وعليها.

الفيلسوف أشعيا برلين تحدث عن الحاجة الى «فهم أكثر من المعرفة، لندرك ما يمكن وما لا يمكن أن ينجح والى أي مدى». وهذا ما نحن في حاجة إليه.