طوني فرنسيس

الدستور "ماداً رجليْه"

12 تشرين الثاني 2022

02 : 00

لا يحتاج انتخاب رئيسٍ للدولة إلى اجتهادات دستورية منسوبة إلى الدساتير الأوروبية، فالكلام على التجارب الفرنسية، وهي مرجعية بالنسبة إلى لبنان، ما عاد يثير حماسةً لدى سامعيه، فهو في أغلبه لزوم ما لا يلزم، وليس شرطاً أن تكون من مريدي دالوز كي تكون نائباً محترماً في المجلس النيابي المحترم.

مردٌ ذلك ليس في رفض الاجتهادات في دساتير مماثلة وإنما في رفض الدستور والأعراف من الأساس، والسعي الدؤوب للقفز فوقها وإحلال التفسيرات الاعتباطية المنطلقة من مصالح سياسية فئوية ومذهبية محلّ النصوص والعمل بموجبها في إدارة الدولة والانتظام العام.

لم يبدأ هذا المسار منذ أيام، ولا في جلسة المجلس النيابي الأخيرة. إنه مسار متدرج منذ بدء العمل باتفاق الطائف، جعل من الدستور في البداية نصاً مهزوماً أمام كلمة ضابط فرع الاستطلاع السوري، وفي مرحلة لاحقة كرسه مطيةً لـ»الثنائي» الطائفي المسلح مدعوماً من حلفاء ينتظرون عطاءه ومكرماته.

في هذا المناخ لم يعد مجلس النواب سيداً لنفسه ولا صماماً لأمن المؤسسات الدستورية. صار مستعداً لتغيير وجهته بين ليلة وضحاها كما حصل في زمن اميل لحود، وتمّ اختصاره تدريجياً إلى بضع قيادات يترأسها مجتهد في إدارة المصالح المتداخلة والمتضاربة.

لم يكن اجتهاد المجتهد الأخير موفقاً في جعله المادة الدستورية «مادةً رجليها» من النافذة، فمن زمن لم يستفق المجلس على ضرورة إعادة توقيف النظام على رجليه، وعندما فعل النائبان سامي الجميل وملحم خلف، ذلك، بإثارتهما ضرورة تفسير المادة 49 والنص الذي يحكم انتخاب الرئيس، كان جواب رئيس المجلس الذي سيذهب مثالاً في تاريخ التشريع.

المشكلة كانت ولا تزال في إحساس المهيمن على المجلس بنشوة الانتصار، منذ انتصار السوري وصولاً إلى «انتصار» ورثته. والمشكلة أيضاً هي في رضوخ الآخرين إلى مصالحهم الضيقة التي لا علاقة لها بالمصالح الوطنية العابرة لعنعنات الطائفيين والمذهبيين، وهذا التحالف بين أصحاب المصالح وسطوة الميليشيا جعل البلاد بلا دستور أو قانون مثلما جعلها بلا كهرباء وهي تغرق في المجهول.