شربل داغر

بين النبطية والعربية

21 تشرين الثاني 2022

02 : 00

صدر مؤخرًا، في عَمان، كتابٌ لافتٌ لزياد مهدي السلامين وإخلاص خالد القناونة: «الطوبونيميا النبطية : دراسة في أسماء المواقع الجغرافية في ضوء المصادر التاريخية ومخطوطات البحر الميت». وهو كتاب دقيق في ما انشغل فيه، وقد لا يتنبه القارئ بالضرورة إلى فائدة هذا الكتاب في إظهار مزيد للعلاقات الخافيةK في جانب كبير منهاK بين النبطية بالعربية.

ورد، في «كتاب العين»، غير إشارة إلى لغة الأنباط وتواجدهم الجغرافي، مثل هذه: «قومٌ ينزلون سواد العراق»؛ و»لا دهل، أي لا تخف بالنبطية»، و»القمل: الجمل»؛ و“العَسْطوس من رؤوس النصارى بالنبطية»؛ و»الهَبُّور: الشعر النابت بالنبطية»؛ و»الكرخ : اسم سوق ببغداد (نبطية)» وغيرها. كما ورد، في كتب للجاحظ، كلامٌ عن النبطيين، ما يشير إلى قوم، من جهة، وإلى لغةٍ تميزُهم، من جهة ثانية؛ وهي لغة معروفة في زمن الجاحظ، على ما يَظهر. ما تكون هذه اللغة ؟ أهي نفسها التي يدور الكلام عنها، اليوم، عند تناول: «الشعر النبطي»، خصوصاً في شبه الحزيرة العربية؟

يرد هذا التركيب اللفظي، الدالُّ على شعر محدد، في عالَم العربية، اليوم، وتُقام له مهرجانات ومسابقات وسهرات تلفزيونية وغيرها، فيما يَرِدُ، في المدونة (عند الجاحظ وابن جني وغيرهما) كلام عن «النبطي»، الدالِّ على قوم، وعلى «رطانة» تُصيبهم في نطق العربية. وإذا ما رغب الدارس في الجمع بين الحالَين، فإن متابعِين للشعر النبطي يتحدثون، بالمقابل، عن أن نسب هذا الشعر مختلف.

لكن ما ورد، في الدراسات المتأخرة، لا سيما الألمانية والفرنسية، قد أسهمَ في جلاء بعض هذا التاريخ المعتم. فقد أظهرت دراسات، سنداً إلى كشوفات آثارية، من جهة، وإلى مقارنات بين لغة هذا القوم ولغات سابقة ومزامنة لها، من جهة ثانية، قيامَ مملكة للنبطيين، وعاصمتها : البتراء (الواقعة في المملكة الأردنية). هي «مملكة الأنباط»، وانتشرت، حسب الدراسات المتأخرة، فوق أراضٍ ممتدة، ما يقع اليوم في أراضي: الأردن، وسورية، والعربية السعودية، ومصر، وفلسطين، بما فيها المحتلة. ولقد امتدَّ تاريخ هذه المملكة السياسي بين القرن الرابع قبل المسيح والقرن الأول المسيحي، عندما نجحت الأمبراطورية الرومانية، في العام 106 للميلاد (في عهد الأمبراطور تراجان)، في ضمِّها إلى أمبراطوريتها الشاسعة.

ما يؤسَف له، في المدونة العربية الحالية، هو أن المعطيات الدراسية المتحصلة من مراجع أوروبية مدققة، ليست معروفة، ولا يتمُّ تناقلُها في عالم العربية. وهي معطيات تفيد أن هذا الشعب «النبطي»... عربي، وفق مصادر عديدة قديمة، إغريقية ولاتينية. وإذا كانت التنقيبات، في البتراء، بدأت في العام 1929، فإنها عرفت تطوراً كبيراً في مطلع الألفية الثالثة. وما مكَّن من الركون إلى هذه المعطيات، هو أنها تعود إلى كتابات في الصخر، سواء في الأردن أو في السعودية (في «مدائن صالح»)؛ أي أنها حُفظتْ على مرِّ العصور. ولقد توصلتْ الدراسات المتأخرة إلى ما هو أهم من ذلك، وهو التحقق من أن اللغة النبطية هي الأم المباشرة للغة العربية الحالية، ما حصل بين القرن الثالث للميلاد والقرن الخامس للميلاد. هذه اللغة تُكتب بدورها من اليمين إلى الشمال، كما يكفي التذكير (بين جملة ألفاظ عديدة) أن لفظ: «مسجدا» (مكان العبادة النبطية)، هو في أصل لفظ: «المسجد»... ولقد تمَّ درس صلة هذه اللغة بسابقتها، ما توزع في تفسيرَين : البعض ينسبها إلى اللغة الآرامية، والبعض الآخر إلى السريانية. ومن يتفقد الأحرف الأولى من اللغة النبطية سيتحقق من كونها تبدأ بـ: أبجد، وهذا ما سنلقاه في العربية لاحقًا.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.