يصيب انفصام الشخصية ملايين الناس حول العالم ويُعتبر من أبرز العوامل المُسببة للإعاقة. يتابع الباحثون مساعيهم للكشف عن جميع عوامل الخطر التي تُسهّل نشوء هذا الاضطراب. تكشف دراسة جديدة الآن أن تلوث الهواء قد يكون جزءاً منها!
إكتشف الباحثون أدلة مفادها أن التعرض للهواء الملوث خلال الطفولة قد يزيد خطر الإصابة بانفصام الشخصية.
وفق منظمة الصحة العالمية، يصاب حوالى 20 مليون شخص حول العالم بهذا المرض.
يترافق هذا الاضطراب النفسي مع الهلوسات، والتمسك بقناعات خاطئة، واختلال التفكير، والانفصال العاطفي عن الواقع. كذلك، يكون المصاب بانفصام الشخصية أكثر عرضة للوفاة المبكرة مقارنةً بعامة الناس.
مع ذلك، لا يعرف الباحثون أسباب هذه الحالة وآلياتها. حتى الآن، يتعلق أهم عامل خطر برأيهم بالتركيبة الوراثية الفردية التي تتفاعل مع عوامل بيئية مثل العزلة الاجتماعية والإدمان.
لكن لا يزال البحث عن عوامل خطر أخرى مستمراً، وربما توصلت دراسة حديثة أجرتها جامعة "آرهوس" في الدنمارك إلى عامل جديد: التعرض لتلوث الهواء خلال الطفولة.
يثبت الباحثون مع مرور الوقت أن تدهور نوعية الهواء لا يُسبب مشاكل رئوية فحسب، مثل سرطان الرئة أو الربو، بل يؤدي إلى تدهور الصحة الدماغية أيضاً.
ربطت الدراسة الجديدة بين التعرض لهواء ملوث واختلال الوظيفة المعرفية، بما في ذلك فقدان الذاكرة.
نُشرت النتائج في الشبكة المفتوحة التابعة لمجلة "جاما"، وطرحت أدلة متزايدة مفادها أن الباحثين يجب أن يأخذوا بالاعتبار تلوث الهواء في البيئة المحيطة كعامل مؤثر على الدماغ والصحة النفسية.
حلل الباحثون في دراستهم الأخيرة بيانات 23355 شخصاً وُلدوا جميعاً في الدنمارك بين 1 أيار 1981 و31 كانون الأول 2002، وتابعوا تطورهم منذ عيدهم العاشر حتى ظهور أولى مؤشرات انفصام الشخصية أو هجرتهم إلى بلد آخر أو موتهم، وصولاً إلى تاريخ 31 كانون الأول 2012.حصل الباحثون على بيانات وراثية تعود للمشاركين، عن طريق "مبادرة مؤسسة لوندبيك للبحوث النفسية التكاملية"، فضلاً عن سجلات عن تطور صحتهم النفسية وبيانات عن تلوث الهواء خلال طفولتهم. من مجموع المشاركين، أصيب 3531 شخصاً بانفصام الشخصية.
رصد التحليل زيادة في خطر الإصابة بهذا الانفصام في سن الرشد لدى من تعرضوا لمستويات مرتفعة من الهواء الملوث في طفولتهم.
تقول الباحثة المرموقة هنرييت هورسدال: "تثبت هذه الدراسة أن ارتفاع مستوى تلوث الهواء يزيد خطر انفصام الشخصية. مقابل كل زيادة في المتوسط اليومي بمعدل 10 ميكروغرام/متر مكعب [في إشارةٍ إلى تركّز ثاني أكسيد النيتروجين الملوِّث في الهواء المحيط]، يرتفع خطر انفصام الشخصية بنسبة 20% تقريباً. ويزيد هذا الخطر بنسبة 60% لدى الأولاد الذين تعرضوا لأكثر من 25 ميكروغرام/متر مكعب يومياً، مقارنةً بمن تعرضوا لأقل من 10".بعبارة أخرى، إذا بلغ خطر الإصابة بانفصام الشخصية على مر الحياة حوالى 2% لدى الشخص العادي، تصبح هذه النسبة أقل من 2% لدى من يكبرون في أقل المناطق تلوثاً. في المقابل، يصل خطر انفصام الشخصية إلى 3% لدى من يكبرون في أكثر المناطق تلوثاً.
لم يتضح بعد السبب الذي يفسر أثر التعرض للهواء الملوث خلال الطفولة على نشوء انفصام الشخصية، لكن يذكر الباحثون في دراستهم أن عامل الخطر البيئي لا يرتبط بعوامل أخرى تُسبب هذه الحالة مثل المخاطر الوراثية.
توضح هورسدال: "يرتفع خطر الإصابة بانفصام الشخصية أيضاً إذا كانت القابلية الوراثية للمرض مرتفعة. لكن تثبت بياناتنا أن هذه الروابط منفصلة عن بعضها. لا يمكن تفسير الرابط بين تلوث الهواء وانفصام الشخصية بزيادة القابلية الوراثية لدى من يكبرون في مناطق ملوّثة". مع ذلك، تكثر الأسئلة العالقة حول العلاقة المحتملة بين انفصام الشخصية ونوعية الهواء، لذا يشدد الباحثون على ضرورة إجراء أبحاث إضافية عن هذا الموضوع.