عيسى يحيى

"الثورة" في بعلبك تُعاود نشاطها... والجوع يتسلّل بخبث

13 كانون الثاني 2020

02 : 00

معاناة يومية لتعبئة المازوت

هي بمثابة "إستراحة محارب" أو "هدنة أعياد"، عاشتها "الثورة" في بعلبك لتعاود انطلاقها بزخمٍ وعزم مواكبةً لتطورات المرحلة المقبلة، في ظل السواد الذي يخيّم على الأوضاع العامة في البلاد بانتظار الحلول المرجوة للخروج من عنق الأزمة.

عادت محاولة رص صفوف "الثوار" وتوجيه البوصلة من جديد وشد العصب باتجاه الأهداف التي نشأ من أجلها الحراك الشعبي، فتجددت اللقاءات بين ناشطين وعدد من الشخصيات الذين كانوا منذ اليوم الأول في الساحات لإعادة النبض إلى ساحة المطران في بعلبك، وكان التحرك الأول باتجاه شركة الكهرباء التي تم إقفالها وإخراج موظفيها بالقوة بسبب إستمرار انقطاع التيار الكهربائي عن المدينة لأيام متتالية.

وكانت الدعوة يوم السبت للتجمع في ساحة المطران تحت عنوان "سبت النهضة" لتعود هتافات "كلن يعني كلن" و"الشعب يريد إسقاط النظام" تصدح في أرجاء الساحة من جديد. وحول "موقدة الحطب" تجمع العشرات من الشبان والشابات حتى ساعات المساء، يتحدّون صقيع الشتاء القارس في بعلبك الذي ينخر في عظام من لا يجدون سبيلاً للتدفئة في ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة.

وفي هذا الإطار، رأى علي رعد، أحد المشاركين أن "الثورة في بعلبك والتحركات تحتاج إلى نهضة، والشعب يجب أن يعي خطورة المرحلة ولا بد أن يستيقظ، فحال الناس من سيئ إلى أسوأ ولا شيء تحقق حتى الآن سوى إستقالة الحكومة، بانتظار تشكيل حكومة جديدة تعطي الأولوية لهموم الناس، غير أن التسريبات التي تصل لا تبشر بالخير. فذهنية تقاسم المصالح والحصص لا تزال تسيطر على السياسيين الذين طالبنا بتغييرهم منذ اليوم الأول وقامت الثورة بوجه فسادهم".

أضاف: "بين مطالب الثورة وصمّ آذان السلطة، يبقى الوضع الإجتماعي والهمّ المعيشي وارتفاع الأسعار والغلاء شغل الناس الشاغل وحديث الساعة، فنسبة البطالة تزداد بين الناس، والفقر ينتشر بين المواطنين من دون رحمة، ومشاهد الوقوف على أبواب الجمعيات ودور العبادة وأصحاب النفوذ للحصول على إعانات ومساعدات، كفيلة بأن تظهر وضع الناس المعيشي الصعب".

على مدى أيامٍ متتالية لا تملّ الخمسينية نور ص. وهي تقصد إحدى الجمعيات في بعلبك علّها تحصل على حصةٍ غذائية او حصّة مازوت لها ولأختها وابنتها اللتين تقطنان في غرفةٍ واحدة معها، وتشرح عبر "نداء الوطن" معاناتها حيث "أصيبت بجلطة دماغية منذ فترة ولا معيل لأهلها ولشقيقتها، وهي تتناول دواءً بشكل دائم ولا تستطيع تأمينه، وتعتاش على المساعدات والصدقات من هنا وهناك، وغير قادرةٍ على العمل لأن وضعها الصحي لا يتحمل، وجاءت الأزمة لتزيد من حجم معاناتها، فخلال المرحلة الماضية كانت تحصل على بعض المساعدات، أما اليوم فهي على شفير الجوع، فيما المرض والبرد يتسللان إلى جسمها منذرين بكارثة".

وأمام محطات الوقود يتقاطر الناس لملء "غالونات" المازوت التي تكفي حاجة كل يومٍ بيومه، لكن مشهد تعبئة العديد من الناس المادة بزجاجاتٍ بلاستيكية يضعونها في أكياس نايلون كي لا تظهر للعيان، كفيلةٌ بتبيان واقع الحال الذي بلغته الناس، فالزجاجة لا تكفي لساعات قليلة في ظل الأجواء الباردة، وجشع أصحاب المحطات أخذ نصيبه أيضاً من جيوب الناس.

خلال تعبئته زجاجتين من المازوت وخروجه سيراً على الأقدام من إحدى المحطات يخفي علي زيتون دموعه ويداه تكادان تتجمدان من الصقيع ويتحسر على الوضع المعيشي الذي وصل إليه، فهو المعيل الوحيد لزوجته ولأولاده الثلاثة الصغار، توقف عن العمل في أحد المطاعم منذ أشهر ولا سبيل رزقٍ يكفيه وعائلته يبقيهم على قيد الحياة.

هذه ليست معاناة عائلة أو عدد من الأشخاص، هي معاناة العديد من الذين لا يزالون يصارعون للبقاء على قيد الحياة ويطلقون صرخة بوجه الظلم الواقع الذي بلغوه، حيث أصبحت حياة الناس رخيصة وأبسط سبل الحياة غير متوفرة.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.